تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
ولما حث سبحانه على المكارم والأخلاق الزاكية ، وختم بالتذكير بالآيات والحكمة ، أتبعه ما لمن تلبس من أهل البيت بما يدعو إليه ذلك من صفات الكمال ، ولكنه ذكره على وجه يعم غيرهم من ذكر وأنثى مشاكلة لعموم الدعوة وشمول الرسالة ، فقال جوابا لقول النساء : يا رسول اللّه ! ذكر اللّه الرجال ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به ، إنا نخاف أن لا يقبل منا طاعة ، بادئا بالوصف الأول الأعم الأشهر من أوصاف أهل هذا الدين مؤكدا لأجل كثرة المنافقين المكذبين بمضمون هذا الخبر وغيرهم من المصارحين :
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
ولما كان اختلاف النوع موجبا للعطف ، قال معلما بالتشريك في الحكم :
وَالْمُسْلِماتِ .
ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط ، أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان ، فقال عاطفا له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكن الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف منها :
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
ولما كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصا قال :
وَالْقانِتِينَ
أي المخلصين في إيمانهم وإسلامهم
وَالْقانِتاتِ
ولما كان القنوت كما يطلق على الإخلاص المقتضي للمداومة قد يطلق على مطلق الطاعة قال :
وَالصَّادِقِينَ
في ذلك كله
وَالصَّادِقاتِ
أي في إخلاصهم في الطاعة ، وذلك يقتضي الدوام . ولما كان الصدق - وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه - قد لا يكون دائما ، قال مشيرا إلى أن ما لا يكون دائما لا يكون صدقا في الواقع :
وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ
ولما كان الصبر قد يكون سجية ، دل على صرفه إلى اللّه بقوله :
وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ
ولما كان الخشوع - وهو الخضوع والإخبات والسكون - لا يصح مع توفير المال فإنه سيكون إليه ، قال معلما إنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته :
وَالْمُتَصَدِّقِينَ
أي المنفقين أموالهم في رضي اللّه بغاية الجهد من نفوسهم بما أشار إليه إظهار التاء فرضا وتطوعا سرا وعلانية بما أرشد إليه الإظهار أيضا تصديقا لخشوعهم
وَالْمُتَصَدِّقاتِ .
ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار ، أتبعه ما يعين عليه فقال :
وَالصَّائِمِينَ
أي تطوعا للإيثار بالقوت وغير ذلك
وَالصَّائِماتِ
ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها ، قال :
وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
أي عما لا يحل لهم بالصوم وما أثاره الصوم
وَالْحافِظاتِ
ولما كان حفظ الفروج وسائر الأعمال لا تكاد توجد إلا بالذكر . وهو الذي فيه المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة