تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 56 إلى 60 ]

وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 ) ولما وصف الجاهلين ، أتبعه صفة العلماء فقال :
وَقالَ الَّذِينَ
وعبر بقوله :
أُوتُوا الْعِلْمَ
تنبيها على شكر من آتاهموه ، وبناه للمجهول إشارة إلى تسهيل أخذه عليهم من الجليل والحقير ، وأتبعه ما لا يشرق أنواره ويبرز ثماره غيره ، فقال :
وَالْإِيمانَ
إشارة إلى تفكرهم في جميع الآيات الواضحة والغامضة مقسمين كما أقسم أولئك محققين مقالهم مواجهين للمجرمين تبكيتا وتوبيخا مؤكدين ما أنكر أولئك :
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ
أي في إخبار قضاء الذي له جميع الكمال الذي كتبه في كتابه الذي كان يخبر به في الدنيا
إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ
كما قال تعالى :
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[ المؤمنون : 100 ] وأما تعيين مدة اللبث فأخفاه عن عباده ، ولما أعلم القران أن غاية البرزخ البعث ، وصدق في إخباره ، سببوا عن ذلك قوله :
فَهذا
أي فتسبب ما كنا نقوله وتكذبوننا فيه ، نقول لكم الآن حيث لا تقدرون على تكذيب : هذا
يَوْمِ الْبَعْثِ
أي الذي آمنا به وكنتم تنكرونه ، قد كان طبق ما كنا نقوله لكم ، فقد تبين بطلان قولكم ، وكنتم تدعون الخلاص فيه بأنواع من التكاذيب قصدا للمغالبة ، فما كنتم صانعين عند حضوره فاصنعوه الآن ، تنبيها لهم على أنه لا فائدة في تحرير مقدار اللبث في الدنيا ولا في البرزخ ، وإنما الفائدة في التصديق بما أخبر به الكتاب حيث كان التصديق نافعا . ولما كان التقدير : قد أتى كما كنا به عالمين ، فلو كان لكم نوع من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن ، عطف عليه قوله :
وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ
أي كونا هو كالجبلة لكم في إنكاركم له
لا تَعْلَمُونَ *
أي ليس لكم علم أصلا ، لتفريطكم في طلب العلم من أبوابه ، والتوصل إليه بأسبابه ، فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك اليوم . ولما كان قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ النساء : 173 ] في أشكالها من الآيات دالا على أن هذه الدنيا دار العمل ، وأن دار الآخرة دار الجزاء ، وأن البرزخ هو حائل بينهما ، فلا يكون في واحدة منهما ما للأخرى ، سبب عن ذلك قوله :
فَيَوْمَئِذٍ
أي إذ تقوم الساعة ، وتقع هذه المقاولة
لا يَنْفَعُ
أي نفعا ما
الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي وضعوا الأمور في غير مواضعها
مَعْذِرَتُهُمْ
وهي ما تثبت عذرهم ، وهو