شرفة واحدة ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض فتخرجون « 1 » .
ولما كان التقدير : هذا من آيات اللّه التي تشاهدونها كل حين دلالة على بعثكم ، عطف عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال :
وَمِنْ آياتِهِ
أي على قدرته على بعثكم . ولما كان المراد إثبات قدرته سبحانه على بعثهم بعد أن صاروا ترابا بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على البعث في الإعجاب بأنه لم يكن له أصل في الحياة ، وكان فعله لذلك إنما كان مرة واحدة ، قال معبرا بالماضي :
أَنْ خَلَقَكُمْ
بخلق أبيكم آدم
مِنْ تُرابٍ
لم يكن له أصل اتصاف ما بحياة .
ولما كان ابتداء الإنسان من التراب في غاية العجب ، أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال :
ثُمَّ
أي بعد إخراجكم منه
إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ
أي فاجأتم كونكم لكم بشرة هي في غاية التماسك والاتصال مع اللين عكس ما كان لكم من الوصف إذا كنتم ترابا ، وأسند الانتشار إلى المبتدأ المخاطب لا إلى الخبر لأن الخطاب أدل على المراد فقال :
تَنْتَشِرُونَ
أي تبلغون بالنشر كل مبلغ بالانتقال من مكان إلى مكان مع العقل والنطق ، ولم يختم هذه الآية بما ختم به ما بعدها دلالة على أنها جامعة لجميع الآيات ، ودلالة على جميع الكمالات ، وختم ما بعدها بذلك تنبيها على أن الناس أهملوا النظر فيها على وضوحها ، وكان من حقهم أن يجعلوها نصب أعينهم ، دلالة على كل ما نزلت به الكتب ، وأخبرت به الرسل ، وكذلك أكد في الإخبار إعلاما بأنهم صاروا لإهمالها في حيز الإنكار .
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 21 إلى 23 ]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ( 22 ) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 )
ولما كان أعجب من ذلك أن هذا الذي خلقه التراب ذكرا خلق منه أنثى ، وجعلهما شبهي السماء والأرض ماء ونبتا وطهارة وفضلا ، قال :
وَمِنْ آياتِهِ
أي على ذلك ؛ ولما كان إيجاد الأنثى من الذكر خاصة لم يكن إلا مرة واحدة كالخلق من التراب ، عبر بالماضي فقال :
أَنْ خَلَقَ لَكُمْ
أي لأجلكم ليبقى نوعكم بالتوالد ، وفي
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 4 / 13 من حديث لقيط بن عامر في أثناء خبر مطول ، وفيه مجاهيل ، ومنهم دلهم بن الأسود . قال عنه الذهبي في ميزانه : لا يعرف .