تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
ولما كان - كما مضى - السياق للابتلاء ، خص بالبسط في القص من لم يكن له ناصر من قومه ، أو كان غريبا منها ، ولذلك أتبع الخليل عليه الصلاة والسّلام ابن أخيه الذي أرسله اللّه إلى أهل سدوم : ناس لا قرابة له فيهم ولا عشيرة ، فقال :
وَلُوطاً
أي أرسلناه ، وأشار إلى إسراعه في الامتثال بقوله :
إِذْ
أي وأرسلناه حين
قالَ لِقَوْمِهِ
أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه ، حين فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسّلام ، منكرا ما رأى من حالهم ، وقبيح فعالهم ، مؤكدا له إشارة إلى أنه - مع كونه يرونه من أعرف المعارف - جدير بأن ينكر :
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ
أي المجاوزة للحد في القبح ، فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها . ثم علل كونها فاحشة استئنافا بقوله :
ما سَبَقَكُمْ
أو هي حال مبينة لعظيم جرأتهم على المنكر ، أي غير مسبوقين
بِها
وأعرق في النفي بقوله :
مِنْ أَحَدٍ
وزاد بقوله :
مِنَ الْعالَمِينَ *
أي كلهم فضلا عن خصوص الناس ؛ ثم كرر الإنكار تأكيدا لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال :
أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ
إتيان الشهوة ، وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر ، بيانا لاستحقاق الذم من وجوه ، فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر ، فقال :
وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ *
أي بأذى الجلابين والمارة . ولما خص هذين الفسادين ، عم دالا على المجاهرة فقال :
وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ
أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس المؤانسة ، وهو ناد ما دام القوم فيه ، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك
الْمُنْكَرَ
أي هذا الجنس ، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول ، لا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى ، من غير أن يستحي بعضكم من بعض ؛ ودل على عنادهم بقوله مسببا عن هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح :
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ
أي الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم ، ويتقي أذاهم وضرهم ، لما أنكر عليهم ما أنكر
إِلَّا أَنْ قالُوا
عنادا وجهلا واستهزاء :
ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ
وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة . ولما كان الإنكار ملزوما للوعيد بأمر ضار قالوا :
إِنْ كُنْتَ
أي كونا متمكنا
مِنَ الصَّادِقِينَ *
أي في وعيدك وإرسالك ، إلهابا وتهييجا .