الكرامة ، وموطن السلامة ، وحامل على التجبر ، ولا يفرح به إلا أدنياء الهمم ، وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ناقص يسأل الناس تصريحا أو تلويحا إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني ، وقد شرف اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك بما له من صفات الكمال ، والأخلاق العوال .
ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه ، بعيدين عن وجه الصواب ، قال معجبا من أمرهم :
وَقالَ الظَّالِمُونَ
فأظهر الوصف الموجب لهم ذلك :
إِنْ
أي ما
تَتَّبِعُونَ
إن اتبعتم
إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً *
أي يتكلم بما لا يجديه ، فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر ، أو ساحرا صار السحر له طبعا ، فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك ، وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا ، وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك - صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 9 إلى 14 ]
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 9 ) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 10 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 )
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 )
ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم ، التفت سبحانه إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم مسليا له فقال :
انْظُرْ
ثم أشار إلى التعجب منهم بأن ما قالوه يستحق الاستفهام بقوله :
كَيْفَ ضَرَبُوا
وقدم ما به العناية فقال :
لَكَ الْأَمْثالَ
فجعلوك تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء ، وتارة نظيرهم في التوسل إلى التوصل إلى الأرباح والفوائد ، بلطيف الحيلة وغريز العقل ، وتارة مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل ، وتارة ساحرا تأتي بما يعجز عنه قواهم ، وتحير فيه أفكارهم
فَضَلُّوا
أي عن جميع طرق العدل ، وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولا يستقرون عليه وأبعدوا جدا
فَلا يَسْتَطِيعُونَ
في الحال ولا في المآل ، بسبب هذا الضلال
سَبِيلًا *
أي سلوك سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد ، بل هم في مجاهل موحشة ، وفيافي مهلكة .
ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ولا قدرة ، وأنهم لا يمن لهم ولا بركة ، لا على أنفسهم ولا غيرهم ، أثبت لنفسه سبحانه ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء فقال :
تَبارَكَ
أي ثبت ثباتا مقترنا باليمن