تمالأ عليه رجال ونساء قال :
ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
أي منكم
وَالْمُؤْمِناتُ
وكان الأصل :
ظننتم ، ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيها على التوبيخ ، وصرح بالنساء ، ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفا للذي ظن السوء من سوء الخاتمة :
بِأَنْفُسِهِمْ
حقيقة
خَيْراً
وهم دون من كذب عليها ، فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم ، لأن المؤمنين كالجسد الواحد ، أو ظنوا ما يظن بالرجل لو خلا بأمه ، وبالمرأة إذا خلت بابنها ، فإن نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمهات المؤمنين
وَقالُوا هذا إِفْكٌ
أي كذب عظيم خلف منكب على وجهه
مُبِينٌ *
أي واضح في نفسه ، موضح لغيره ، وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد يقول : خذوني فهو يسعى في التستر جهده ، فإتيان صفوان بعائشة رضي اللّه عنها راكبة على جمله داخلا بها الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرهم ينزل عليه الوحي ، إدلالا بحسن عمله ، غافلا عما يظن به أهل الريب ، أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين ، ولو كان هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر ، تعرف به خيانته ، فالأمور تذاق ، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه ، ولقد عمل أبو أيوب الأنصاري وصاحبته رضي اللّه عنهما بما أشارت إليه هذه الآية ؛ قال ابن إسحاق : حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد رضي اللّه عنه قالت له امرأته أم أيوب :
يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي اللّه عنها ؟ قال : بلى وذلك الكذب ، أكنت يا أم أيوب فاعلة ؟ قالت لا واللّه ما كنت لأفعله ، قال : فعائشة واللّه خير منك .
وروى البغوي أنه قال : سبحانك هذا بهتان عظيم ، فنزلت الآية على وفق قوله رضي اللّه عنه . ثم علل سبحانه بيان كذب الآفكين بأن قال موبخا لمن اختلقه وأذاعه ملقنا لمن ندبه إلى ظن الخير :
لَوْ لا
أي هلا ولم لا
جاؤُ
أي المفترون له أولا
عَلَيْهِ
إن كانوا صادقين
بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها .
ولما تسبب عن كونهم لم يأتوا بالشهداء كذبهم قال :
فَإِذْ
أي فحين
لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ
أي الموصوفين
فَأُولئِكَ
أي البعداء من الصواب
عِنْدَ اللَّهِ
أي في حكم الملك الأعلى ، بل وفي هذه الواقعة بخصوصها في علمه
هُمُ الْكاذِبُونَ *
أي الكذب العظيم ظاهرا وباطنا .
ولما بين لهم بإقامة الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام أنهم استحقوا الملام ، وكان ذلك مرغبا لأهل التقوى ، بين أنهم استحقوا بالتقصير في الإنكار عموم الانتقام في سياق مبشر بالعفو ، فقال عاطفا على
وَلَوْ لا
الماضية :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ
أي المحيط بصفات الكمال
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
أي معاملته لكم بمزيد الإنعام ، الناظر