تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
ولما حرم اللّه سبحانه بهذه الجمل الأعراض والأنساب ، فصان بذلك الدماء والأموال ، علم أن التقدير : فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين ، لما فعل بكم ذلك ، ولفضح المذنبين ، وأظهر سرائر المستخفين ، ففسد النظام ، وأطبقتم على التهاون بالأحكام ، فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ
أي بما له من الكرم والجمال ، والاتصاف بصفات الكمال
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
أي بكم
وَأَنَّ اللَّهَ
أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة
تَوَّابٌ
أي رجاع بالعصاة إليه
حَكِيمٌ *
يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور ، لفضح كل عاص ، ولم يوجب أربعة شهداء سترا لكم ، ولأمر بعقوبته بما توجبه معصيته ، ففسد نظامكم ، واختل نقضكم وإبرامكم ، ونحو ذلك مما لا يبلغ وصفه ، فتذهب النفس فيه كل مذهب ، فهو كما قالوا : رب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به ، ثم علل ما اقتضته
لَوْ لا
من نحو : ولكنه لم يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة لكم ، بقوله على وجه التأكيد لما عرف من حال كثير ممن غضب للّه ولرسوله من إرادة العقوبة للآفكين بضرب الأعناق ، منبها لهم على أن ذلك يجر إلى مفسدة كبيرة :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ
أي أسوأ الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله إلى ضده ، المقلوب عن وجهه إلى قفاه ، وعرّف زيادة تبشيع له في هذا المقام ، حتى كأنه لا إفك إلا هو لأنه في حق أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها وهي من أحق الناس بالمدحة لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم ، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أقفائه ، وترك تسميتها تنزيها لها عن هذا المقام ، إبعادا لمصون جانبها العلي عن هذا المرام
عُصْبَةٌ
أي جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون ، فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد أمرهم ، لأن مدار مادة « عصب » على الشدة ، وهم مع ذلك
مِنْكُمْ
أي ممن يعد عندكم في عداد المسلمين ، فلو فضحهم اللّه في جميع ما أسروه وأعلنوه ، وأمركم بأن تعاقبوهم بما يستحقون على ذلك ، لفسدت ذات البين ، بحمايتهم لأنفسهم وهم كثير ، وتعصّب أودّائهم لهم ، إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما كشفت عنه التجربة حين خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي » حين كادوا يقتتلون لولا أن سكنهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » ، فاللّه سبحانه برحمته بكم يمنع من كيدهم ببيان كذبهم ، وبحكمته يستر عليهم ويخيفهم ، لتنحسم مادة مكرهم ، وتنقطع أسباب ضرهم . ولما كان هذا مقتضيا للاهتمام بشأنهم ، أتبعه قوله ، تحقيرا لأمرهم مخاطبا
هامش
( 1 ) تقدم قريبا .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 239 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي