يثبتها ، فقال مفتتحا بحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال :
قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ
أي علامة عظيمة وحجة وبرهان
مِنْ رَبِّكَ
الذي لا إحسان عليك إلا منه ، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا واليد وغيرهما ، فأسلم تسلم ، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ادعاء الربوبية ، ونسبته إلى كفران الإحسان ، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى اللّه
وَالسَّلامُ
أي جنسه
عَلى
جميع
مَنِ اتَّبَعَ
بغاية جهده
الْهُدى *
عامة ، وإذا كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم ، فالمعنى : وإن أبيت عذبت
إِنَّا
أي لأنا
قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا
من ربنا
أَنَّ الْعَذابَ
أي كله ، لأن اللام للاستغراق أو الماهية ، وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما تفهمه الاسمية
عَلى
كل
مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى *
أي أوقع التكذيب والإعراض ، وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق كان منقضيا ، وإذا انقضى كان كأنه لم يوجد ، وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب .
ولما كان التقدير : فأتياه فقولا : إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمرا به ، وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل ، فتسبب عنه سؤاله عن تعيينه ، استأنف الإخبار عن جوابه بقوله :
قالَ
أي فرعون مدافعا لهما بالمناظرة لا بالبطش ، لئلا ينسب إلى السفه والجهل :
فَمَنْ
أي تسبب عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن أسألكما : من
رَبُّكُما
الذي أرسلكما ، ولم يقل :
ربي ، حيدة عن سواء النظر وصرفا للكلام على الوجه الموضح لخزيه .
ولما كان موسى عليه السّلام هو الأصل في ذلك ، وكان ربما طمع فرعون بمكره وسوء طريقه في حسبة تحصل في لسانه ، أفرده بقوله :
يا مُوسى * قالَ
له موسى على الفور :
رَبُّنَا
أي موجدنا ومربينا ومولانا
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ
مما تراه في الوجود
خَلْقَهُ
أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع المنوطة به ، والآثار التي تتأثر عنه من الصورة والشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر ، ويجل عن الوصف .
ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من المفاوتة ، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال :
ثُمَّ هَدى *
أي كل حيوان منه مع أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها ، ومضاره فيحذرها ، فثبت بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار ، وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت .