تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ولما دل على نصر أوليائه ، وقسر أعدائه ، بشهادة تلك القرى ، وختم بالتعجيب من استعجالهم مع ما شاهدوا من إهلاك أمثالهم ، وأعلمهم ما هو عليه من الأناة ، واتساع العظمة ، وكبر المقدار ، عطف على
فَكَأَيِّنْ
محذرا من نكاله ، بعد طويل إمهاله ، قوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ
أي من أهلها
أَمْلَيْتُ لَها
أي أمهلتها كما أمهلتكم
وَهِيَ ظالِمَةٌ
كظلمكم بالاستعجال وغيره
ثُمَّ أَخَذْتُها
أي بالعذاب
وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ *
بانقطاع كل حكم دون حكمي ، كما كان مني البدء ، فلم يقدر أحد أن يمنع من خلق ما أردت خلقه ، ولا أن يخلق ما لم أرد خلقه ، فلا تغتروا بالإمهال ، وإن تمادت الأيام والليالي ، واحذروا عواقب الوبال ، وإن بلغتم ما أردتم من الآمال ، ولعله إنما طوى ذكر البدء ، لأنه احتجب فيه بالأسباب فغلب فيه اسمه الباطن ، ولذلك ضل في هذه الدار أكثر الخلق وقوفا مع الأسباب . ولما كان الاستعجال بالأفعال لا يطلب من الرسول ، وكان الإخبار باستهزائهم وشدة عماهم ربما أفهم الإذن في الإعراض عنهم أصلا ورأسا قال سبحانه وتعالى مزيلا لذلك منبها على أن مثله إنما يطلب من المرسل ، لا من الرسول :
قُلْ
أي لهم ، ولا يصدنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عماهم
يا أَيُّهَا النَّاسُ
أي جميعا من قومي وغيرهم
إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ
أي وبشير ، وإنما طواه لأن المقام للتخويف ، ويلزم منه الأمن للمنتهى فتأتي البشارة ، ولأن النذارة هي المقصود الأعظم من الدعوة ، لأنه لا يقدم عليها إلا المؤيدون بروح من اللّه
مُبِينٌ *
أي لكل ما ينفعكم لتلزموه . ويضركم فتتركوه لا إله ، أعجل لكم العذاب ؛ ثم تسبب عن كونه مبينا العلم بأن وصف البشارة مراد وإن طوي ، فدل عليه سبحانه بقوله تفضيلا لأهل البشارة والنذارة :
فَالَّذِينَ آمَنُوا
أي أقروا بالإيمان
وَعَمِلُوا
أي تصديقا لدعواهم ذلك
الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لما فرط منهم من التقصير لأنه لن يقدر أحد أن يقدر اللّه حق قدره . ولما كان هذا أول الإذن في القتال ، الموجب لمنابذة الكفار ، ومهاجرة الأهل والأموال والديار ، وكان ذلك - مع كونه في غاية الشدة - موجبا للفقر عادة ، قال محققا له ومنبها على أنه سبب الرزق :
وَرِزْقٌ
أي في الدنيا بالغنائم وغيرها ، والآخرة بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر
كَرِيمٌ *
لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره أصلا ما داموا على الاتصاف بذلك ، هذا فعل ربهم بهم عكس ما وصف به مدعو الكفار من أن ضره أقرب من نفعه . ولما كان في سياق الإنذار ، قال معبرا بالماضي زيادة في التخويف :
وَالَّذِينَ سَعَوْا
أي أوقعوا السعي ولو مرة واحدة بشبهة من الشبه ونحوها
فِي آياتِنا
أي التي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 162 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي