ترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على هذا النحو البديع ، وترتيب هذه الحروف على هذا النظم الدال عليه دائر على القدرة التامة والعلم الشامل والحكمة الباهرة ، رحمهم سبحانه بأن نكّبهم طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة ، وجنّبهم سنن المستكبرين التي تلجىء ولا بد إلى الشقوة ، فجعل نصرهم في لوامع انكسار ، وكسرهم في جوامع انتصار ، وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذخ وعلو واستكبار ، ومن رقة ثابتة تحمل على ذل وسفول وصغار ، فلقد انطبق الاسمان على المسمى ، واتضحا غاية الاتضاح في أمره ونما ، وهذا معنى ما قال الكلبي : هو ثناء أثنى اللّه به على نفسه .
بِسْمِ اللَّهِ
المنزه عن كل شائبة نقص ، القادر على كل ما يريد
الرَّحْمنِ
الذي عم نواله سائر مخلوقاته
الرَّحِيمِ
الذي اختص الصالحين من عباده ، بما يسعد من مراده .
ولما كان مقصود التي قبلها الدلالة على أن القرآن قيم لا عوج فيه ، وبه تمام الانتظام في نعمة الإبقاء الأول ، ودل على ذلك بأنه ساق المسؤول عنه من القصص أحسن سوق ، وكشف عن مخبأته القناع أبدع كشف - إلى غير ذلك مما خلله به من بدائع الحكم وغرائب المعاني فاضحة لمن ادعى للّه سبحانه ولدا ، وختمها بمثل ذلك من وصف الكتاب والتوحيد - النافي لقبول التعدد بولد أو غيره بكل اعتبار - والعمل الصالح ، ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص ، تحقيقا لآية
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً
[ الكهف : 9 ] بسياق غير ما تقدم فيما مضى من السور ، وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما مضى ، تأييدا لأن كلماته لا تنفد ، وعجائبه لا تعد ولا تحد ، وأنه لو كان من عند غيره لاختلف ، مع أن أهلها سادة الموحدين ، وقادة المصلحين المتقين الذين عملوا الصالحات ، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس ، فرحمهم ربهم سبحانه ، وكلهم ممن يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف وذي القرنين تعنتا ، أما من عدا عيسى عليه الصلاة والسّلام فواضح ، وأما عيسى عليه السّلام فيعتقدون أنه ما أتى بعد وأنه سيأتي ، ويكون الناس في أيامه على دين واحد تصديقا لوعد التوراة الآتي بيانه ، وذلك على وجه مستلزم في أكثرها تنزهه تعالى عن الولد ، وقدرته على البعث ، وبدأها بقصة من خرق له العادة في الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فان حسا أو معنى يريد أن يخلفه فيما تعسر عليه فعله أو تعذر ، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به أعظم لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسّلام ، وإشارة إلى أن العمل الصالح المؤسس على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق العادة ، وثنى بأمر من نسبوه إليه وافتروه عليه