حسنا فقال ليوسف : رأيت أنا أيضا في منامي كأن ثلاثة أطباق فيها خبز درمك على رأسي ، وفي الطبق الأعلى من كل مآكل فرعون مما يصنعه الخباز - وفي نسخة : عمل طباخ حاذق - وكان السباع والطير تأكلها من الطبق من فوق رأسي ؛ فأجاب يوسف وقال له : هذا تفسير رؤياك : ثلاثة أطباق هي ثلاثة أيام ، وبعد ثلاثة أيام يأمر فرعون بضرب عنقك وصلبك على خشبة ، ويأكل الطير لحمك .
فلما كان اليوم الثالث - وهو يوم ولاد فرعون - اتخذ فرعون وليمة ، فجمع عبيده وافتقد رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة : الطباخين - فأمر برد رئيس أصحاب الشراب على موضعه ، وسقى فرعون الكأس كعادته ، وأمر بصلب رئيس الخبازين كالذي فسر لهما يوسف عليهما الصلاة والسّلام ، فلم يذكر رئيس أصحاب الشراب يوسف عليه الصلاة والسّلام ونسيه .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 43 إلى 44 ]
وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ( 43 ) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ( 44 )
ولما بطل هذا السبب الذي أمر به يوسف عليه الصلاة والسّلام ، وهو تذكير الشرابي به ، أثار اللّه سبحانه سببا ينفذ به ما أراد من رئاسته وقضى به من سجود من دلت عليه الكواكب فقال دالا على ذلك :
وَقالَ الْمَلِكُ
وهو شخص قادر واسع المقدور ، إليه السياسة والتدبير ، لملاه وهم السحرة والكهنة والحزرة والقافة والحكماء ، وأكد ليعلم أنه محق في كلامه غير ممتحن :
إِنِّي أَرى
عبر بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله من ذلك
سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ
والسمن : زيادة البدن من اللحم والشحم
يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ
أي بقرات
عِجافٌ
والعجف : يبس الهزال
وَ
إني أرى
سَبْعَ .
ولما كان تأويل المنام الجدب والقحط والشدة ، أضاف العدد إلى جمع القلة بخلاف ما كان في سياق المضاعفة في قوله
أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ
[ البقرة : 261 ] فقال :
سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ
إني أرى سبع سنبلات
أُخَرَ يابِساتٍ
التوت على الخضر فغلبت عليها ، وكأنه حذف هذا لدلالة العجاف عليه ؛ والسنبلة : نبات كالقصبة حملة حبوب منتظمة ، وكأنه قيل : فكان ماذا ؟ فقيل : قال الملك :
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ
أي الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مخابرهم ومآثرهم
أَفْتُونِي
أي أجيبوني وبينوا لي كرما منكم بقوة وفهم ثاقب .
ولما كان مراده أن لا يخرجوا بالجواب عن القصد ولا يبعدوا به ، عبر بما يفهم