تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
أو اعتقاده ، وما يتبع ذلك ، وذلك هو القيم ، أي المستقيم في نفسه ، المقيم لغيره . ولما كان الغالب على الإنسان المخالفة للأوامر ، لما جبل عليه من النقائص ، كان الإنذار فأهم أعاده لذلك ولأن المقام له كما مضى ، ذاكرا فيه بعض المتعلق المحذوف من الآية التي قبلها ، تبكيتا لليهود المضلين لهؤلاء العرب ولمن قال بمقالتهم فقال تعالى :
وَيُنْذِرَ
واقتصر هنا على المفعول الأول ليذهب الفكر في الثاني الذي عبر عما يحتمل تقديره به فيما مضى ب
لَدُنْهُ .
كل مذهب فيكون أهول
الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ
أي تكلف ذو العظمة التي لا تضاهى كما يتكلف غيره أن أخذ
وَلَداً *
وهم بعض اليهود والنصارى والعرب ؛ قال الأصبهاني : وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قصة كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كون ذلك البعض أعظم جزئيات ذلك الكل ، ولم أجعل الآية من الاحتباك لنقص المعنى ، ثم استأنف معللا في جواب من كأنه قال : ما لهم خصوا بهذا الوعيد الشديد ؟ فقال تعالى :
ما لَهُمْ بِهِ
أي القول
مِنْ عِلْمٍ
أصلا لأنه مما لا يمكن أن يعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن وجوده ، ثم قرر هذا المعنى وأكد بقوله تعالى :
وَلا لِآبائِهِمْ
الذين هم مغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل ، ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لمن يتبعوهم فيه ، تنبيها عل أنه لا يحل لأحد أن يقول على اللّه تعالى ما لا علم له به ، ولا سيما في أصول الدين ، ثم هول أمر ذلك بقوله تعالى :
كَبُرَتْ
أي مقالتهم هذه
كَلِمَةً
أي ما أكبرها من كلمة ! وصوّر فظاعة اجترائهم على النطق بها بقوله تعالى :
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
أي لم يكفهم خطورها في نفوسهم ، وترددها في صدورهم ، حتى تلفظوا بها ، وكان تلفظهم بها على وجه التكرير . بما أشار إليه التعبير بالمضارع ؛ ثم بين ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم لأحد به أصلا ، لأنه لا وجود له فقال تعالى :
إِنْ
أي ما
يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً *
أي قولا لا حقيقة له بوجه من الوجوه . وقال ابن الزبير في برهانه : من الثابت المشهور أن قريشا بعثوا إلى يهود بالمدينة يسألونهم في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، فأجابت يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء ، قالوا : فإن أجابهم فهو نبي ، وإن عجز فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم ، وهي الروح ، وفتية ذهبوا في الدهر الأول وهم أهل الكهف ، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، فأنزل اللّه عليه جواب ما سألوه « 1 » ، وبعضه في سورة الإسراء
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
[ الإسراء : 85 ] الآية ، واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير كما في أسباب النزول للسيوطي ص 281 وفيه رجل مبهم وعلّقه الواحدي في أسباب النزول ص 220 . وأخرجه مختصرا أحمد 1 / 255 والترمذي 3140 والنسائي كما في التحفة 5 / 133 وابن حبان 99 عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه قال الأرنؤوط : إسناده صحيح . قلت : ويشكل عليه رواية ابن مسعود في شأن اليهود وسؤالهم عند البخاري 125 ومسلم 2794 .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 444 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي