ولما كان من حق « لو » الدخول على الأفعال ، علم أن بعدها فعلا من جنس ما بعد تقديره : تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادىء بدء فقال تعالى :
أَنْتُمْ
أي دون غيركم
تَمْلِكُونَ خَزائِنَ
عبر بصيغة منتهى الجموع ، لأن المقام جدير المبالغة
رَحْمَةِ
أي إرزاق وإكرام
رَبِّي
المحسن إليّ بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه ، وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده بإضافتها عليهم
إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ
أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها
خَشْيَةَ
عاقبة
الْإِنْفاقِ
أي الموصل إلى الفقر ، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى :
وَكانَ
أي جبلة وطبعا
الْإِنْسانُ
أي الذي من شأنه الإنس بنفسه ، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها
قَتُوراً *
أي بخيلا ممسكا غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيرا فلا تراه إلا مضيقا في النفقة على نفسه ، ومن تلزمه نفقته ، شديدا في ذلك وإن اتسعت أحواله ، وزادت على الحد أمواله ، لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له ، طبع على ذلك فهو في غريزته بالقوة ، فكلهم يفعله إلا من وفقه اللّه تعالى فغلب عقله على هواه وقليل ما هم ! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ما لا يملكه ، ولا ادعى القدرة عليه ؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون به عبثا بغير حاجة أصلا ، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون فيها ، وإن كان لإثبات رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي مر آنفا إقامة الدليل عليها به ، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون الرسول بشرا ، واللّه تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم ، وإن كان لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما طبعتم عليه . بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من الرمضاء بالنار ، وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن كره الكافرون ، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله عونا لحزب الرحمن ، ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان ، ويذيق الكل الهوان ، ويجعلهم وقودا للنيران ، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث الذي هو سبحانه متعال عنه ، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع السنة والانسلاخ عن الهوى ، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 101 إلى 103 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 )