اللّه الجمعة هذه الأمة فقبلوها وبورك لهم فيها . وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهدا يقول في قوله تعالى
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ
فقال : ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه . وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم قال : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض اللّه عليهم فاختلفوا فيه فهدانا اللّه له . فهم لنا فيه تبع ، فاليهود غدا والنصارى بعد غد « 1 » .
ولما كان الإشراك واضحا في أمر النصارى ، استغنى بنفيه عنه عن التصريح بأنه ليس على دينهم ؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتا أمر البعث فقال تعالى :
وَإِنَّ رَبَّكَ
أي المحسن إليك بطواعية أصحابك لك
لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
أي هؤلاء المختلفين
يَوْمَ الْقِيامَةِ
واجتماع جميع الخلائق
فِيما كانُوا
أي بجبلاتهم
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ *
من قبول الجمعة وردها ، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك ، فيجازى كل فريق منهم بما يستحقه .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 125 إلى 128 ]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )
ولما قدم سبحانه في هذه السورة حكاية كثير من استهزائهم بوعده ووعيده ، وتكذيبهم لرسله على أبشع وجه ، والتفتير عن حرقة الحرص عليهم ، المفضي إلى شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس منهم فأقعد عن دعائهم ، وأتبعه ضرب الأمثال ، ونصب الجدال - على تلك المناهيج المعجزة بما يسبق من ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني الجليلة ، والمقاصد الجميلة - لعامة الخلق ما يجل عن الوصف ، وإذا تأملها الخواص وجدوا فيها من دقائق الحقائق ، ومشارع الرقائق ، ومحكم الدلائل ، ومتقن المقاصد والوسائل ، ما يوضح - بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار - أنه بحر لا ساحل له ولا قرار ، ولا منتهى لما تستخرج منه الأنظار ، وختم باتباع الأب الأعظم ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 876 و 896 و 2956 و 3486 ومسلم 855 وأحمد 2 / 274 و 312 و 243 و 249 و 250 و 284 و 388 وابن ماجة 1083 والنسائي 3 / 85 - 86 والدارقطني 2 / 3 كلهم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه .