تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ولما كان التقدير تفصيلا لفريقي المبين لهم وترغيبا في الهجرة لأنها بعد الإيمان أوثق عرى الإسلام : فالذين كفروا واغتروا بما شاهدوه من العرض الفاني لنخزينهم في الدنيا والآخرة ولنجازينهم بجميع ما كانوا يعملون ، عطف عليه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا
أي أوقعوا المهاجرة فرارا بدينهم فهجروا آباءهم وأبناءهم وأقاربهم من الكفار وديارهم وجميع ما نهوا عنه
فِي اللَّهِ
أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال ، بعد ما « تمادى » المكذبون بالبعث على إيذائهم ، فتركوا لهم بلادهم . ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان البعد لموت بعض من هجروه وإسلام آخرين بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء اللّه ، قال تعالى :
مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
أي وقع ظلمهم من الكفار ، بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
أي نوجد لهم منزلا هو أهل لأن يرجع إليه ، بما لنا من الملائكة وغيرهم من الجنود وجميع العظمة
فِي الدُّنْيا
مباءة
حَسَنَةً
كبيرة عظيمة ، جزاء لهم على هدمتنا ، بأن نعلي أمرهم وإن كره المشركون ، كما يراه من يتدبر بمنعي لأوليائي على قلتهم ، وسينكشف الأمر عما قريب انكشافا لا يجهله أحد ، فالآية دليل على ما قبلها . ولما كان التقدير : ولنبوئنهم في الآخرة أجرا كبيرا ، عطف عليه قوله تعالى :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ
المعد لهم
أَكْبَرُ
مما جعلته لهم في الدنيا
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ *
أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل يتدبرون به لعلموا - بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في عنادهم مع كثرتهم وقلتهم ، وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي هاجروا إليها من الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - أني أجمع لأوليائي الدارين ، وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم - روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك اللّه لك فيه ، هذا ما وعدك اللّه في الدنيا ، وما ادخر لك في الآخرة أكثر وأفضل - ثم تلا هذه الآية .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 42 إلى 44 ]

الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) ولما نبه على إحسانه إليهم ، وكان فيه من أول الأمر نوع غموض لظهور الكفرة في بادي الرأي ، وصفهم بما يحتاج إليه في الاستجلاب لتمامه حثا وإلهابا ، فقال تعالى - واصفا للمهاجرين بيانا لأصل ما حملهم على ما استحقوا به هذا الأجر الجزيل - :