تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
فلما انهتك ستر هذه المقالة المموهة ، وكان كأنه قيل استبعادا لها : هل قالها غيرهم ؟ فقيل : نعم !
كَذلِكَ
أي مثل هذا الفعل البعيد من السداد ، والقول الخارج عن الهداية والرشاد ، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل ، مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة ، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية وإن كانت بقضائه ، لأن ذلك مستور عن العباد
فَعَلَ
أي كذب بدليل الأنعام
الَّذِينَ
ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله :
مِنْ قَبْلِهِمْ
وكان تكذيبا ، لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه اللّه ، والرسل يقولون : لا يرضاه ، ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير معاقب ، فكان ذلك سببا للإنكار عليهم بقوله :
فَهَلْ
أي فما
عَلَى الرُّسُلِ
أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم ، وهم الذين أرسلهم اللّه لدعاء العباد خلفا عن سلف ؛ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال :
إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ *
وقد بلغوكم وأوضحوا لكم ، فصار وبال العصيان خاصا بكم .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 36 إلى 38 ]

وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 36 ) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 37 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) ولما كان جمع الرسل مفهما لتوزيعهم على الأمم ، كان موضع توقع التصريح بذلك ، فقال - دافعا لكرب هذا الاستشراف ، نافيا لطروق احتمال ، دالا على أن هذا القول السابق منصب إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال ، ومسليا لنبيه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وحاثا لهم على الاعتبار ، عطفا على ما تقديره : فلقد بعثناك في أمتك هذه لأن يعبدوا اللّه وحده ويجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدينا ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ، فكان من غير شك بعضهم مرض للّه وبعضهم مغضب له ، فإنه لا يكون حكم المتنافيين واحدا أبدا :
وَلَقَدْ
أي واللّه لقد
بَعَثْنا
أي على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ
فِي كُلِّ أُمَّةٍ
من الأمم الذين قبلكم
رَسُولًا
فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة ، ولأجل أن الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السّلام في أصحاب الأيكة وسليمان عليه السّلام في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه من أهل الأرض لم يقيد ب « منهم » .