تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
ولما كان هذا المقام للمشاققة . وكان أمرها زائد القباحة . كان هذا الدخول أقبح دخول ، وكان سببا لأن يقال :
فَلَبِئْسَ
بالأداة الجامعة لمجامع الذم
مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ *
على وجه التأكيد وبيان الوصف الذي استحقوا به ذلك ، لتقدم كذبهم في قولهم
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
تعريضا بأنهم جديرون - لغاية ما لهم من البلادة - أن يستحسنوا النار كما كذبوا مع العلم التام بأنه لا يروج في ذلك اليوم كذب . ولما تم الخبر عن المنكر لما أنزل اللّه على ألسنة الملائكة من الروح من أمره على الأنبياء عليهم السّلام ، إنكارا لفضلهم وتكبرا بما ليس لهم ، بالاعتراض على خالقهم ، ابتدأ الخبر عن المقرين تصديقا لهداتهم واعترافا بفضلهم وتسليما لمن هم عبيده في تفضيل من يشاء ، منبها على الوصف الذي أوجب لهم الاعتراف بالحق ، فقال حاذفا ل « إذا » دلالة على الرضى بأيسر شيء من الخير والمدح عليه ولو لم يتكرر :
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
أي خافوا عقاب اللّه
ما ذا
أي أي شيء
أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
أي المحسن إليكم من روحه المحيي للأرواح ، على رسوله
قالُوا
معترفين بالإنزال ، غير متوقفين في المقال ، فاهمين أن ذا مؤكدة للاستفهام لا بمعنى الذي : أنزل
خَيْراً
وإنما أطبق القراء على نصب هذا ورفع الأول فرقا بين جوابي المقر والجاحد بمطابقة المقر بين الجواب والسؤال ، وعدول الجاحد بجوابه عن السؤال ؛ ثم أخذ يرغب بما لهم من حسن المآل على وجه الجواب لسؤال من كأنه قال : ما لهم على ذلك ؟ فقيل مظهرا موضع الإضمار مدحا لهم وتعميما لمن اتصف بوصفهم :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
فبين أن اعترافهم بذلك إحسان ؛ ثم أخبر عنه بقوله :
فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
أي جزاء لهم على إحسانهم
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
[ الرحمن : 60 ] . ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال ، أخبر عن حالهم في الآخرة فقال :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
أي جزاء ومصيرا ؛ ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى :
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ *
أي هي ، مرغبا في الوصف الذي كان سبب حيازتهم لها ، وهو الخوف المنافي لما وصف به الأشرار من الاستكبار ، بإظهاره موضع الإضمار وحذف المخصوص بالمدح لتقدم ما يدل عليه ، وهو صالح لتقدير الدنيا - أي لمن عمل فيها بالتقوى - ولتقدير الآخرة ، وهو واضح . ولما كان هذا المدح مشوفا لتفصيل ذلك قيل :
جَنَّاتُ عَدْنٍ
أي إقامة لا ظعن فيها
يَدْخُلُونَها
حال كونها
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
أي من تحت غرفها
الْأَنْهارُ
ثم أجيب من كأنه سأل عما فيها من الثمار وغيرها بقوله تعالى :
لَهُمْ فِيها
أي خاصة ، لا في شيء سواها من غير أن يجلب إليهم من غيرها
ما يَشاؤُنَ
ثم زاد في الترغيب