الْمُجْرِمِينَ *
أي العريقين في الإجرام في كل زمن كما يسلك الخيط والرمح ونحوه فيما ينظم فيه من مخيط وغيره بغاية العسر ، فلا يتسع له المحل فلا ينفع ، حال كونهم
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
لشيء من الأشياء ، لأن صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في قومك
وَقَدْ خَلَتْ
أي مضت من قبل هذا
سُنَّةُ
أي طريقة
الْأَوَّلِينَ *
بذلك ، ونحن قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك وتيسير إيمان وغير ذلك ، فهو ناظر إلى قوله
وَقُرْآنٍ مُبِينٍ
والغرض بيان أنه تعالى يعمي بعض الأبصار عن الجلي ، ويبصر بعضها بالخفي ، إظهارا للقدرة والاختيار بإنفاذ الأمر على خلاف القياس .
ولما أخبره بهذه الأسرار منبئة عن أحوالهم ، وكانت النفس أشد شيء طلبا لقطع حجة المتعنت بإجابة سؤله ، قال تعالى مخبرا بتحقيق ما ختم به من أنهم لا يؤمنون للخوارق ولو رأوا أعجب من الإتيان بالملائكة :
وَلَوْ فَتَحْنا
أي بما لنا من العظمة
عَلَيْهِمْ
أي على من قال : لو ما تأتينا بالملائكة
باباً
يناسب عظمتنا
مِنَ السَّماءِ
وأشار إلى أن ذلك حالهم - ولو كانوا في أجلى الأوقات وهو النهار - بقوله :
فَظَلُّوا
أي الكفار
فِيهِ
أي ذلك الباب العالي
يَعْرُجُونَ *
أي يصعدون ماشين في الصعود مشية الفرح
لَقالُوا
عنادا وإبعادا عن الإيمان :
إِنَّما سُكِّرَتْ
أي سدت وغشيت
أَبْصارُنا
أي حتى ظننا ما ليس بواقع واقعا
بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ
أي وإن كان لنا غاية القوة على ما نريد محاولته
مَسْحُورُونَ *
أي ثابت وقوع السحر علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا حقيقة له ؛ والسكر : السد بإدخال اللطيف في المسام فيمنع الشيء كمال ما كان عليه ، ومنه السكر بالشراب ، والسحر : حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير حقيقة .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 16 إلى 22 ]
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ( 16 ) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ( 18 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ( 19 ) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ( 20 )
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 )
ولما كان ذكر هذه الآية السماوية على سبيل الفرض في الجواب عن إنكارهم النبوة ، دليلا على مرودهم على الكفر ، وكان من المعلوم أن ثبوت النبوة مترتب على ثبوت الوحدانية ، توقع السامع الفهم الإخبار عما له تعالى من الآيات المحققة الوجود