تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وقال تعالى :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ
وكان هذا يزيد إيضاحا قوله عز وجل :
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
[ إبراهيم : 42 ] وقوله :
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ
وقوله :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
[ إبراهيم : 48 ] الآية ؛ وتأمل نزول قوله :
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ
على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله ، وأما افتتاح السورة بقوله :
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ
فإحالة على أمرين واضحين : أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل والآيات كما يفسر ، والثاني ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل والغيوب والوعد والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضا ، فكيف لا يكون المتوعد به في قوة الواقع المشاهد ، لشدة البيان في صحة الوقوع فالعجب من التوقف والتكذيب ! ثم أعقب هذا بقوله
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ
انتهى . ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل ، وكان من المعلوم جدا من أحوالهم الاستعجال بالعذاب تكذيبا واستهزاء ، كان الكلام في قوة أن يقال : فقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر ! عجل لنا ما تتوعدنا به ، وكان هذا غائظا موجعا حاملا على تمني سرعة الإيقاع بهم ، فقيل في الجواب : إن لهم أجلا بكتاب معلوم لا بد من بلوغهم له ، لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا يهمل ، لأنه لا يبدل القول لديه ، فليستعدوا فإن الأمر غيب ، فما من لحظة إلا وهي صالحة لأن يتوقع فيها العذاب ، فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا كتابهم المعلوم
وَما
جعلنا هذا خاصا بهم ، بل هو عادتنا ، ما
أَهْلَكْنا
أي على ما لنا من العظمة ، وأكد النفي فقال :
مِنْ قَرْيَةٍ
أي من القرى . ولما كان السياق للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به ، وكان تقديره سبحانه وكتبه من عالم الغيب ، اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه محتوم مفروغ منه سابق تقديره على زمن الإهلاك ، فأتى بالواو لأن الحال بدون الواو كالجزء من سابقها كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه ، والتي بالواو هي زيادة في الخبر السابق ، ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط بها في العطف ، فقال :
إِلَّا وَلَها
أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها
كِتابٌ مَعْلُومٌ *
أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ ، أو يكون التقدير : فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم : هل يودون الإسلام أم لا ؟ ثم بين الآية السابقة بقوله :
ما تَسْبِقُ
وأكد الاستغراق بقوله :
مِنْ أُمَّةٍ
وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله :
أَجَلَها
أي الذي قدرناه لها
وَما يَسْتَأْخِرُونَ *
أي عنه شيئا من الأشياء ، ولم يقل : تستأخر - حملا على اللفظ كالماضي ، لئلا يصرفوه إلى خطابه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم تعنتا .