تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
كتاب على الحقيقة غيره ، الجامع لجمع ما يقوم به الوجود من الخيرات ، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد ، الغالب بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده . ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه ، وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة ، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب ، وكفاية المستهزئين ، فكان كما قال سبحانه
وَ
آيات
قُرْآنٍ
أي قرآن جامع ناشر مفصل واصل ، إذ التنوين للتعظيم
مُبِينٍ *
لجميع ما يجمع الهمم على اللّه فيوصل إلى السعادة ، وهذه الإبانة - التي لم تدع لبسا - هو متصف بها ، مع كونه جامعا للأصول ناشرا للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه ، ولا فصم يؤتى منه إليه ، فأعجب لأمر حاو لجميع وفرق وفصل ووصل : والإبانة : إظهار المعنى للنفس بما يميزه عن غيره ، لأن أصل الإبانة الفصل ، فهذا شرح كونه بلاغا ، فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغا جامعا للأمور الموصلة إلى اللّه ، مغنيا عن جميع الأسباب ، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء سواه
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ،
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ *
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في جعلهم القرآن عضين ، وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه . مع أن المفهومين - مع تصادقهما على شيء واحد - متغايران ، فالكتاب : ما يدون في الطروس ، والقرآن : ما يقرأ باللسان ، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة ، والثاني إلى حفظه في الصدور بالدراسة ، وسيأتي قوله
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
مؤيدا لذلك ، وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع . أما « كتب » - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل : كتبت الكتاب أكتبه وهو من الجمع ، والكتاب أيضا : الدواة - تسمية للشيء باسم ما هو آلته ، والمكتب - كمعظم : العنقود أكل بعض ما فيه - تشبيها له بالمكتوب ، والكتيبة : الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف - انتهى . وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة ؛ وقال القزاز : وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء ، فكأنه سمي بذلك لضم الحروف بعضها إلى بعض ، كتبت المزادة - إذا خرزتها ، يعني : فضممت بعضها إلى بعض . والكتبة - بالضم : السير يخرز به ، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزي عليها ، والإكتاب : شد رأس القربة ، والكتيبة : جماعة تكتبوا ، أي تجمعوا ، وتكبت الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض ، ومنه الكتاب - بضم الكاف وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال القزاز إنه