تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
فكيف يظن أنه يخلق شيئا فيهما سدى بأن يكون باطلا فلا يبطله ، أو حقا فلا يحقه ، أم كيف يتوهم أنه - مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر خلقا وأعظم شأنا - لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمرا وأصغر قدرا ، أو خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء بعده ، فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة ، فهو بحيث
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
أي بنوع من أنواع الإذهاب : الموت أو غيره
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم بحيث تعودون - كما أنتم - خلقا جديدا ؛ والجديد : المقطوع عنه العمل في الابتداء ، وأصله القطع ، فالجد أب الأب ، انقطع عن الولادة بالأب ، والجد ضد الهزل ، يقطع به المسافة حسا أو معنى
وَما ذلِكَ
الإذهاب والإتيان على عظمه
عَلَى اللَّهِ
أي الملك الأعلى
بِعَزِيزٍ *
وهو الممتنع بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلا عن أن يكون أعظم منه ، فلا وجه لقولكم
هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ
[ سبأ : 7 ] ، الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم - التي هي أسبابهم - الموجب لهلاكهم . ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت ، عطف على قوله :
لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ
[ إبراهيم : 18 ] قوله - بيانا لهو أن البعث عنده وسهولته عليه - :
وَبَرَزُوا
أي في ذلك اليوم ، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق ، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب ، فكيف بملك الملوك ! وفيه من هز النفس وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل
لِلَّهِ
أي الملك الأعظم
جَمِيعاً
فكانوا بحيث لا يخفى منهم خافية على ما هو متعارفهم ، لأنه لا ساتر لهم ، فإن البروز خروج لشيء عما كان متلبسا به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه ، وبدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب ، فتقطعت بهم الأسباب
فَقالَ الضُّعَفاءُ
أي الأتباع من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم ، تبكيتا لرؤسائهم وتوبيخا ، تصديقا لقوله تعالى :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[ الزخرف : 67 ]
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك :
إِنَّا كُنَّا
أي كونا هو كالجبلة
لَكُمْ تَبَعاً
أي تابعين أو ذوى تبع فكنتم سبب ضلالنا ، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ
أي دافعون
عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ
أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه ، وأبلغوا بعد التبعيض ب « من » الأولى في التقليل ، فقالوا :
مِنْ شَيْءٍ
كأن العذاب كان محتاجا إلى أخذهم
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 180 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي