تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وانتهاج ذلك الدليل ، ثم قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
[ إبراهيم : 4 ] وكأن هذا من تمام قوله سبحانه
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
[ الرعد : 38 ] وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا :
أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا
[ التغابن : 6 ] ،
ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
[ يس : 15 ] وحتى قالت قريش :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
[ الأنعام : 8 ] ،
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
وَقالُوا لَوْ لا
أنزل
هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] فلما كثر هذا منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم ، رد تعالى أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج في هذا الغرض شيئا فشيئا ، فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى :
أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ
[ يونس : 2 ] ، الآية ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية ، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه ، وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر ، فأرغم اللّه تعالى بمضمون هذه الآي كل جاحد ومعاند ؛ ثم ذكر تعالى في سورة هود قول قوم نوح
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
[ هود : 27 ] ، الآية وجوابه عليه السّلام
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
[ هود : 63 ] أي أني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني اللّه بفضله وآتاني رحمة من عنده وبرهانا على ما جئتكم به عنه ، وفي هذه القصة أعظم عظة ، ثم جرى هذا لصالح وشعيب عليهما السّلام ، وديدن الأمم أبدا مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات ، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى وما هو شاهد على تعنتهم ، ثم زاد سبحانه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم تعريفا بأحوال من تقدمه من الأنبياء عليهم السّلام ليسمع ذلك من جرى له مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
[ الرعد : 38 ] وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئا من مناصبهم ، بل هو واقع في قيام الحجة على العباد . ثم تلا ذلك بقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
[ إبراهيم : 4 ] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر ، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة : لا نفهم عنهم ، إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات ، فقد قال قوم شعيب عليه السّلام
ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ
[ هود : 91 ] هذا وهو عليه السّلام يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ذلك بل لو خالفت الرسل عليهم السّلام الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد واستعمال الأغذية وغيرها من مألوفات البشر لكان منفرا ، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار