تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
المصاحف مشير - بما ذكر أهل اللّه من أن الواو معناه العلو والرفعة - إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية ، فإنه قد يمحو عمر شخص بعد أن كانت له آثار جميلة ، فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها ، وقد يمحو شريعة ينسخها ويبقى منها آثارا صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة الناسخة لها ، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضا في
يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ
في الشورى مع أنه مرفوع أيضا ، فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقا هو النهاية - كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ، وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع ، وقال :
وَعِنْدَهُ
مع ذلك
أُمُّ
أي أصل
الْكِتابِ *
لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة ، وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب ، وقد تقدم غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه كلما طلب ؛ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هما كتابان : كتاب سوى أم الكتاب ، يمحو منه ما يشاء ويثبت ، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء - انتهى . والمراد - واللّه أعلم - أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا - وإن كان في الفرع على غير ذلك ، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى ، فإذا نقضت الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا ، أو يكون المعنى : يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد ، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم الكتاب ؛ قال الرازي في اللوامع : وقد أكثروا القول فيها ، وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات ، محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت ، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية ، والقضاء الأزلي ، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات ، فذلك هو القضاء وهذا هو القدر ، فالقضاء مصدر القدر ، والقدر مظهر القضاء ، واللّه تعالى وصفاته منزه عن التغير . ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم ، وختم بأنه سبحانه يفعل ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات ، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به ، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريبا لفصل النزاع ، قال سبحانه وتعالى :
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ
أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه ، نفيا لما يحمله عليه صلّى اللّه عليه وسلّم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتما
بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ
وأنت حي مما تريد أو يريد أصحابك ، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقرارا لأعينكم قبل وفاتك ؛ والوعد : الخبر عن خير مضمون ، والوعيد : الخبر عن شر مضمون ، والمعنى هاهنا عليه ، وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
قبل أن نريك ذلك ، وهو ممحو الأثر لم يتحقق ، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين
فَإِنَّما عَلَيْكَ
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 161 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي