فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه ، فضلوا وأضلوا ، وليس ذلك بعجب فإن اللّه أضلهم
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
أي الذي له الأمر كله بإرادة ضلالة
فَما لَهُ مِنْ هادٍ *
فكأنه قيل : فماذا لهم على ما فعلوا من ذلك ؟ فقيل :
لَهُمْ
أي الذين كفروا
عَذابٌ
وهو الألم المستمر ، ومنه العذب لأنه يستمر في الحلق
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
شاق ، بممانعة حزب اللّه لهم في صدهم عن السبيل إلى ما يتصل بذلك من قتل وأسر ، ولهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك عذاب
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ
أي أشد في المشقة ، وهي غلظ الأمر على النفس بما يكاد يصدع القلب
وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
أي الملك الأعظم
مِنْ واقٍ *
أي مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءا في الدنيا ولا في الآخرة ، والواقي فاعل الوقاية ، وهي الحجر بما يدفع الأذية .
[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 35 إلى 37 ]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ( 35 ) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ( 37 )
ولما توعدهم على تفريطهم في جانب اللّه ، تشوفت النفس إلى ما لأضدادهم ، فكان كأنه قيل : فما لمن عاداهم في اللّه ؟ فقيل : الجنة ، فكأنه قيل : وما هي ؟ فقيل : إنها في الجلال ، وعلو الجمال ، وكرم الخلال ، مما تعالى عن المنال ، إلا بضرب الأمثال ، فقيل : ما مثلها ؟ فقيل :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي
ولما كان المقصود حصول الوعد الصادق ولا سيما وقد علم أن الواعد هو اللّه ، بنى للمفعول قوله :
وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
والخبر محذوف تقديره : ما أقص عليكم ، وهو أنها بساتين : قصور وأشجار ، فقال الزجاج : الخبر جنة مخبر عنها بما ذكر ليكون تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد
تَجْرِي .
ولما كانت - لو عمها الماء الجاري - بحرا لا بساتين ، أدخل الجار للدلالة على أنه خاص ببعض أرضيها فقال :
مِنْ تَحْتِهَا
أي قصورها وأشجارها
الْأَنْهارُ
وقيل : هذا المذكور هو الخبر كما تقول : صفة زيد أسمر .
ولما كان هذا ريّا حقيقيا في أرض هي في غاية الخلوص والطيب ، كان سببا لدوام ثمرها واستمساك ورقها ، فلذلك أتبعه قوله :
أُكُلُها
أي ثمرها الذي يؤكل
دائِمٌ
لا ينقطع أبدا
وَظِلُّها
ليس كما في الدنيا ، لا ينسخ بشمس ولا غيرها ، قال أبو حيان : تقول : مثلت الشيء - إذا وصفته وقربته للفهم ، وليس هذا ضرب مثل ، فهو