تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
شيئا فعل ما شاء من ذلك ، فسير به ما شاء من الجبال إلى ما أراد من الأراضي لما رام من الأغراض ، وقطع به ما طلب من الأرض أنهارا وجنانا وغيرها ، وكلم به من اشتهى من الموتى ، ثم إذا فتح هذا الباب فلا فرق بين القدرة على هذا والقدرة على غيره ، فيصير من حفظ منه شيئا قادرا على شيء ، فبطلت حينئذ حكمة اختصاص اللّه سبحانه بذلك من أراد من خلص عباده ، وأدى ذلك إلى أن يدعي من أراد من الفجرة أن أمر ذلك بيده ، يفعل فيه ما يشاء متى شاء ، فيصير ادعاءه مقرونا بالفعل شبهة في الشرك ، وليعلم قطعا أنه ليس في يد أحد أمر ، بل
لِلَّهِ
أي الذي له صفات الكمال وحده
الْأَمْرُ
وهو ما يصح أن يؤمر فيه وينهى
جَمِيعاً
في ذلك وغيره ، لا لي ولا لأحد من الأنبياء الذين قلتم إني لست أدنى منزلة منهم ، وأما الخوارق التي كانت لهم فلولا أن اللّه شاءها لما كانت ، فالأمر إليه وحده ، مهما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وكأن هذا جواب لما حكي في السيرة النبوية أن الكفار تفتنوا به ؛ قال ابن إسحاق : ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء ، فاجتمع أشرافهم فأرسلوا إليه صلّى اللّه عليه وسلّم فكلموه في الكف عنهم وعرضوا عليه أن يملكوه عليهم وغير ذلك فأبى وقال : « إن اللّه بعثني إليكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فقالوا : فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق - زاد البغوي : فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه ، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا ، ونرجع في يومنا فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت - رجع إلى ابن إسحاق : وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ! فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من اللّه ، وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول - زاد البغوي : فإن عيسى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على ربك منه » « 1 » فكان
هامش
( 1 ) ذكره ابن هشام في السيرة 1 / 294 و 265 والبغوي في تفسيره 3 / 14 و 15 وابن كثير في تفسيره أيضا 4 / 321 وذكر بعضه السيوطي في الدر المنثور 4 / 62 وقال : أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عطية العوفي . - وورد بنحوه من حديث الزبير بن العوام أخرجه أبو يعلى 679 وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه كما في الدر 4 / 62 وفيه : « يا آل عبد مناف إني نذير ، فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم فقالوا : تزعم أنك نبي يوحى إليك وأن سليمان سخّر له الريح والجبال وأن موسى سخّر له البحر وأن عيسى كان يحيي الموتى ؟ فادع اللّه أن يسيّر عنا هذه الجبال ، ويفجر لنا الأرض أنهارا فنتخذها محارث فنزرع ونأكل ، وإلا فادع اللّه أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا ، وإلا فادع -
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 152 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي