تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
يوقعون شيئا منهما مكان الآخر ؛ والعهد : العقد المتقدم على الأمر بما يفعل أو يجتنب ، والإيفاء : جعل الشيء على مقدار غيره من غير زيادة ولا نقصان . ولما كان الدليل العقلي محتما للثبات عليه كما أن الميثاق اللفظي موجب للوفاء به ، قال تعالى :
وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ *
أي الإيثاق ولا الوثاق ولا مكانه ولا زمانه ؛ والنقض : حل العقد بفعل ما ينافيه ولا يمكن أن يصح معه ، والميثاق : العقد المحكم وهو الأوامر والنواهي المؤكدة بحكم العقل . ولما كان أمر اللّه جاريا على منهاج العقل وإن كان قاصرا عنه لا يمكن نيله له من غير مرشد ، قال :
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ
أي من كل شيء على سبيل الاستمرار
ما أَمَرَ اللَّهُ
أي الذي له الأمر كله ؛ وقال :
بِهِ أَنْ يُوصَلَ
دون « يوصله » ليكون مأمورا بوصله مرتين ، ويفيد تجديد الوصل كلما قطعه قاطع على الاستمرار لما تظافر على ذلك من دليلي العقل والنقل ؛ والوصل : ضم الثاني إلى الأول من غير فرج . ولما كان الدليل يرشد إلى أن اللّه تعالى مرجو مرهوب قال :
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
أي المحسن إليهم ، من أن ينتقم منهم إن خالفوا بقطع الإحسان . ولما كان العقل دالا بعد تنبيه الرسل على القدرة على المعاد بالقدرة على المبدأ ، وكان الخوف منه أعظم الخوف ، قال تعالى :
وَيَخافُونَ
أي يوجدون الخوف إيجادا مستمرا
سُوءَ الْحِسابِ *
وهو المناقشة فيه من غير عفو ، ومن أول السورة إلى هنا تفصيل لقوله تعالى أول البقرة
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[ البقرة : 1 ] مع نظره إلى قوله آخر يوسف
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى
[ يوسف : 111 ] . ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس ، قال مشيرا إلى ذلك مع شموله لغيره :
وَالَّذِينَ صَبَرُوا
أي على طاعات اللّه وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه ، والصبر : الحبس ، وهو تجرع مرارة المنع للنفس عما تحب مما لا يجوز فعله
ابْتِغاءَ
أي طلب
وَجْهِ رَبِّهِمْ
أي المحسن إليهم ، وكأنه ذكر الوجه إثارة للحياء وحثا عليه لا ليقال : ما أجلده ! ولا لأنه يعاب بالجزع ، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا خوف الشماتة . ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف ، خص بالذكر أشياء مما دخل في العهد والميثاق تشريفا لها فقال :
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
لأنها في الوصلة باللّه كالميثاق في الوصلة بالموثق له ، وقال - :
وَأَنْفَقُوا
وخفف عنهم بالبعض فقال :
مِمَّا رَزَقْناهُمْ
- لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى المقاصد ، فهذا إنفاق من المال ، وتلك إنفاق من