عقولهم حتى يكونوا كالبهائم ، ولذلك سبب عنه قوله :
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ *
أي سماع فهم ، وعبر عن الإصابة بالماضي إشارة إلى سرعة الإهلاك مع كونه شيئا واحدا غير متجزىء ، وعن الطبع بالمضارع إيماء إلى التجدد بحيث لا يمر زمن إلا كانوا فيه في طبع جديد .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 101 إلى 103 ]
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 103 )
ولما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم ، وكانت هذه القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها ، أشار إليهم حثّا على الاعتبار بهم ، ولما كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم ، عبر عنهم بأداة البعد فقال :
تِلْكَ الْقُرى
أي محالّ القبائل الخمس ، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ما حصل لأهلها من العذاب ، ويؤيده قوله مبينا لحالها :
نَقُصُّ عَلَيْكَ .
ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء ، هوّل الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر ، وأن ما قص منها يكفي المعتبر ، فقال :
مِنْ أَنْبائِها
أي أخبارها العظيمة الهائلة المطابقة للواقع شيئا بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر ، وأنث الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلا في معرفة أخبار أهلها .
ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان ، كان ربما تخيل متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي ، فشهد اللّه تعالى للرسل عليهم السّلام تصديقا لمن قال منهم : قد جاءتكم بينة ، بقوله :
وَلَقَدْ
أي والحال أنه قد
جاءَتْهُمْ
أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات
رُسُلُهُمْ
أي الذين أرسلناهم إليهم
بِالْبَيِّناتِ فَما
أي فلم يتسبب عن ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما
كانُوا
موفقين
لِيُؤْمِنُوا
أي عند مجيئها ، وقد أكد منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد
بِما
أي بالذي
كَذَّبُوا
أي به ، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود السورة .
ولما كان تكذيبهم غير مستغرق للزمان الماضي ، أدخل الجارّ فقال :
مِنْ قَبْلُ
أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به عن اللّه من قبل الأخذ بغتة ، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات ، فإنهم أول ما جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب ، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل بالطبع على قلوبهم فأتوهم