تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
علينا ، فإنا لا نتأذى بذلك ، بل نتلذذ من يلقى الوعد الحسن ، وحاصله التهكم منهم به والإشارة إلى عدم قدرته ؛ وأكدوا ذلك بقولهم بأداة الشك :
إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *
أي الذين سمعنا أخبارهم فيما مضى ؛ ثم سبب عن عتوهم قوله :
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
أي التي كانت عنها أو منها الصيحة ، أخذ من هو في القبضة على غاية من الصغار والحقارة ، ولعل توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب عليهما السّلام في قوله تعالى :
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ
أي مساكنهم ، وجمعها في القصتين مع الصيحة ، في سورة هود عليه السّلام للإشارة إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين ، وذلك لأن الزلزلة إذا كانت في شيء واحد كانت أمكن ، فتكون في المقصود من النكال أعظم ، والصيحة من شأنها الانتشار ، فإذا عمت الأماكن المتنائية والديار المتباعدة فأهلكت أهلها ومزقت جماعتها وفرقت شملها ، كانت من القوة المفرطة والشدة البالغة بحيث تنزعج من تأمل وصفها النفوس وتجب له القلوب ، وحاصله أنه حيث عبر بالرجفة وحد الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم الاضطراب ، وحيث عبر بالصيحة جمع إيماء إلى عموم الموت بشدة الصوت ، ولا مخالفة لأن عذابهم كان بكل منهما ، ولعل إحداهما كانت سببا للأخرى ، ولعل المراد بالرجفة اضطراب القلوب اضطرابا قطعها ، أو أن الدار رجفت فرجفت القلوب وهو أقرب ، وخصت الأعراف بما ذكر فيها ، لأن مقصودها إنذار المعرضين ، والرجفة أعظم قرعا لعدم الإلف لها - واللّه أعلم
جاثِمِينَ *
أي باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم ، ولم يبق منهم في تلك الساعة أحد إلا رجل واحد كان في الحرم ، فلما خرج منه أصابه ما أصاب قومه وهو أبو رغال ، ومسافة الحرم عن أرضهم تزيد على مسيرة عشرة أيام ، ومن الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع قلوبهم وأزال أرواحهم لم يؤثر في صالح عليه السّلام والمستضعفين معه شيئا ، وذلك مثل الريح التي زلزلت الأحزاب ، وأنالتهم أشد العذاب ، ورمتهم بالحجارة والتراب حتى هزمتهم وما نال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه منها كبير أذى ، وكفها اللّه عن حذيفة ، وكذا البرد الذي كان ذلك زمانه لما أرسله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليتعرف له أخبارهم « 1 » . ولما أصابهم ذلك ، سبب لهم الهجرة عن ديارهم ديار السوء والغضب واللعنة فقال تعالى إعلاما لنا بذلك :
فَتَوَلَّى
أي كلف نفسه الإعراض
عَنْهُمْ وَقالَ
أي لما أدركه من أحوال البشر من الرقة على فوات إيمانهم وهم أصله وعشيرته
يا قَوْمِ
أي
هامش
( 1 ) هذا خبر صحيح . أخرجه مسلم 1788 وابن حبان 7125 والبيهقي في السنن 9 / 148 و 149 وفي الدلائل 3 / 449 . 450 والبزار 1809 والحاكم 3 / 31 من حديث حذيفة بن اليمان .