تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 58 إلى 60 ]

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 ) ولما ثبت ذلك ، حثهم عليه لبعده عن السحر بثباته وعدم القدرة على زلزلته فضلا عن إزالته وبأنه شفاء وموعظة وهدى ورحمة فهو جامع لمراتب القرب الإلهي كلها ، وزهدهم فيما هم عليه مقبلون من الحطام : لمشاركته للسحر في سرعة التحول والتبدل بالفناء والاضمحلال فهو أهل للزهد فيه والإعراض عنه فقال تعالى :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
الآية ، وحسن كل الحسن تعقيب ذلك لقوله :
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ *
لما ذكر من سرعة الرحيل عنه ، ولأن القرآن محيي لميت الجهل ، من أقبل عليه أفاده العلم والحكمة ، فكان للقلب كالحياة للجسد ، ومن أعرض عنه صار في ضلال وخبط فوصل إلى الهلاك الدائم ، فكان إعراضه عنه مميتا له ، وجعل أبو حيان متعلق الباء في بفضل محذوفا تقديره :
قُلْ
ليفرحوا
بِفَضْلِ اللَّهِ
أي الملك الأعلى
وَبِرَحْمَتِهِ
ثم عطف قصر الفرح على ذلك
فَبِذلِكَ
أي الأمر العظيم جدا وحده إن فرحوا يوما ما بشيء
فَلْيَفْرَحُوا
فهما جملتان وقال : إن ذلك أظهر ، وفائدة الثانية قصر الفرح على ذلك دون ما يسرون به من الحطام فإن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية . ثم صرح بسبب الفرح فقال :
هُوَ
أي المحدث عنه من الفضل والرحمة
خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ *
أي من حطام الدنيا وإن كان أشرف ما فيها من المتاع دائبين فيه على تعاقب الأوقات ، والعاقل يختار لتعبه الأفضل ؛ والفضل : الزيادة في النعمة ؛ والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى . ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة المناهج وسداد الشرائع ووضوح المذاهب ، وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن يخصه بالفرح لبقاء آثاره وما يدعو إليه وزهده فيما يجمعون لفنائه ولأنه يدعو إلى رذائل الأخلاق فيحط من أوج المعالي ، أشار إلى أنهم كما خبطوا في الفرح فخصوه بما يفني معرضين عما يبقى فكذلك خبطوا في طريق الجمع فوعدوها على أنفسهم بأن حرموا بعض ما أحله ، فمنعوا أنفسهم ما هم به فرحون دون أمر من اللّه تعالى فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم على ربهم في تحريمه حيث جعلوه شرعا مرضيا وهو في غاية الفساد والبعد عن الصواب والقصور عن مراقي السداد فقال تعالى :
قُلْ
أي لهؤلاء الذين يستهزئون بك استهزاء قاضيا عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئا بهم وموبخا لهم
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 457 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي