تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول في ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخره في سورتي الأنفال وبراءة ، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهىء لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته ، وأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك قد حوى من الأوصاف والحلي والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه . والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئا لأن ربه كافيه لأنه لا مثل له وأنه ذو العرش العظيم ؛ لما كان ذلك كذلك ، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم به سورة التوبة ، وزاده وصف الحكمة وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال :
تِلْكَ
أي الآيات العظيمة جدا التي اشتملت عليها هذه السورة ، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام اللّه وإلا لما أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف
آياتُ الْكِتابِ
أي الذكر الجامع لكل خير ، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوراة والإنجيل من ذلك ، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعا لأنه لم يكن يعرف شيئا مما في الكتابين ولا جالس أحدا يعلمه
الْحَكِيمِ *
فكان فيما مضى - أن كونه من عند اللّه كاف في وجوب اتباعه - وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ذلك حكيما والآية : العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة ، والحكيم : الناطق بالحكمة . وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقص ، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها طريق النجاة من طريق الهلاك ، وهو حاكم يبين الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة ، ومحكم لما أتى به ، مانع له من الفساد ، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور ، وهذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها ؛ وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
[ براءة : 40 ] وقوله
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ براءة : 43 ] وقوله
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ براءة : 61 ] وقوله :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ براءة : 128 ] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة ، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهور دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم اللّه سبحانه عليه ، كان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيرا لتحرك