بالرجس فقال :
فَزادَتْهُمْ رِجْساً
أي اضطرابا موجبا للشك ، وزاد الأمر بيانا بأن المراد المجاز بقوله :
إِلَى رِجْسِهِمْ
أي شكهم الذي كان في غيرها
وَماتُوا
أي واستمر بهم ذلك لتمكنه عندهم إلى أن ماتوا
وَهُمْ كافِرُونَ *
أي عريقون في الكفر ، وسمي الشك في الدين مرضا لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كفساد البدن في الاحتياج ، ومرض القلب أعضل « 1 » ، وعلاجه أعسر وأشكل ، ودواءه أعز وأطباؤه أقل . ولما زاد الكفار بالسورة رجسا من أجل كفرهم بها ، كانت كأنها هي التي زادتهم ، وحسن وصفها بذلك كما حسن : كفى بالسلامة داء ، وكما قال الشاعر :
أرى بصري قد رابني بعد نصحه * وحسبك داء أن تصح وتسلما
قاله الرماني ، فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم وهؤلاء يخبرون عن عدمه في وجدانهم ، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم ، ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم ، فإن ظهور الثمرات مزيل للشبهات ، والآية من الاحتباك : إثبات الإيمان أولا دليل على حذف ضده ثانيا ، وإثبات المرض ثانيا دليل على حذف الصحة أولا .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 126 إلى 129 ]
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 129 )
ولما كان التقدير تسبيبا عما جزم به من الحكم بعراقتهم في الرجس وازديادهم منه : أفلا يرون إلى تماديهم في النفاق وثباتهم عليه ؟ عطف عليه تقريرهم بعذاب الدنيا والإنكار عليهم في قوله :
أَ وَلا يَرَوْنَ
أي المنافقون ، قال الرماني : والرؤية هنا قلبية لأن رؤية العين لا تدخل على الجملة لأن الشيء لا يرى من وجوه مختلفة
أَنَّهُمْ
أي المنافقين ؛ ولما كان مطلق وقوع الفتنة من العذاب ، بني للمفعول قوله :
يُفْتَنُونَ
أي يخالطون من حوادث الزمان ونوازل الحدثان بما يضطرهم إلى بيان أخلاقهم بإظهار سرائرهم في نفاقهم
فِي كُلِّ عامٍ
أي وإن كان الناس أخصب ما يكونون وأرفعه عيشا
هامش
( 1 ) أعضل الأمر : اشتد واستغلق ، وداء عضال أي شديد أعيا الأطباء .