تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
أي دمعا ، والأصل : يفيض دمعها ، ثم علل فيضها بقوله ؛
حَزَناً
ثم علل حزنهم بقوله :
أَلَّا يَجِدُوا
أي لعدم وجدانهم
ما يُنْفِقُونَ
فحزنهم في الحقيقة على فوات مرافقتك والكون في حزبك ، وهذه قصة البكائين صرح بها وإن كانوا داخلين في
الَّذِينَ لا يَجِدُونَ
إظهارا لشرفهم وتقريرا لأن الناصح - وإن اجتهد - لا غنى له عن العفو حيث بين أنهم - مع اجتهادهم في تحصيل الأسباب وتحسرهم عند فواتها بما أفاض أعينهم - ممن لا سبيل عليه أو ممن لا حرج عليه المغفور له . ولما نفى السبيل عمن وصفه كر على ذم من انتفى عنه هذا الوصف فقال تعالى :
إِنَّمَا السَّبِيلُ
أي باللوم وغيره
عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ
أي يطلبون إذنك في التخلف عنك راغبين فيه
وَهُمْ أَغْنِياءُ
أي فلا عذر لهم في التخلف عنك وعدم مواساتك ، وتضمن قوله تعالى مستأنفا :
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا
أي كونا كأنه جبلة لهم
مَعَ الْخَوالِفِ
انتفاء الضعف والمرض عنهم من حيث إنه علل فعلهم برضاهم بالتخلف فأفهم ذلك أنه لا علة لهم سواه ، وأفهم أيضا أن كل من كان كذلك كان مثلهم ولو أنه ضعيف أو مريض ، وكرر ذكر الخوالف تكريرا لعيبهم برضاهم بالكون في عداد النساء إذ كان ذلك من أعظم المعايب عند العرب ، وسمى الفاعل للطبع حيث حذفه من الأولى : ولما ذكره ، عظم الأمر فاقتضى ذلك عظم الطبع فنفى مطلق العلم فقال عاطفا على
« رَضُوا »
:
وَطَبَعَ اللَّهُ
أي الذي له القدرة الكاملة والعلم المحيط
عَلى قُلُوبِهِمْ
ثم سبب عن ذلك الرضى والطبع قوله :
فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ *
أي لا علم له فلذلك جهلوا ما في الجهاد من منافع الدارين لهم فلذلك رضوا بما لا يرضى به عاقل ، وهو أبلغ من نفي الفقه في الأولى ، وزاد المناسبة حسنا ضم الأعراب في هذه الآيات إلى أهل الحاضرة وهم بعيدون من الفقه جديرون بعدم العلم .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 94 إلى 98 ]

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 94 ) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 95 ) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 96 ) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 )