ينزل إلا إليه حتى إذا رغب في أمر رغب هو فيه من وجه ولا يقول : هذا إنما أنزل في كذا ، وإذا رهب القرآن من أمر رهبه من وجه ما ، وإذا أعلى فكذلك وإذا أسفل فكذلك ، ولا يقول : هذا إنما أنزل في كذا حتى يجد لكل القرآن موقعا في عمله أيّ عمل كان ومحلا في نفسه أيّ حال كان ومشعرا لقلبه أيّ ملحظ كان ، فيستمع القرآن بلاغا من اللّه سبحانه وتعالى إليه بلا واسطة بينه وبينه ، فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ابتداء ثم تلين له جلده وقلبه انتهاء ، وربما يجد من اللّه سبحانه وتعالى نفح رحمة يفتح له بابا إلى التخلق بالقرآن أسوة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، سئلت عائشة رضي اللّه عنها عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : كان خلقه القرآن « 1 » وبذلك هو ذو الخلق العظيم - واللّه واسع عليم - انتهى .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 70 إلى 71 ]
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 70 ) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 )
ولما قرر سبحانه بهذه الآية تشابههم في التمتع بالعاجل ، وختمها بهذا الختام المؤذن بالانتقام ، اتبع ذلك بتخويفهم من مشابهتهم فيما حل بطوائف منهم ملتفتا إلى مقام الغيبة لأنه أوقع في الهيبة ، فقال مقررا لخسارتهم :
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ
أي هؤلاء الأخابث من أهل النفاق
نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي خبرهم العظيم الذي هو جدير بالبحث عنه ليعمل بما يقتضيه حين عصوا رسلنا ؛ ثم أبدل من ذلك قوله :
قَوْمِ نُوحٍ
أي في طول أعمارهم وامتداد آثارهم وطيب قرارهم بحسن التمتع في أرضهم وديارهم ، أهلكهم بالطوفان ، لم يبق من عصاتهم إنسان ، وعطف على قوم القبيلة فقال ؛
وَعادٍ
أي في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم ومصانعهم وبنيانهم وتجبرهم في عظيم سلطانهم ، أهلكهم بالريح الصرصر ، لم يبق ممن كفر منهم بشر
وَثَمُودَ *
أي في تمكنهم من بلاد الحجر عرضها وطولها ، جبالها وسهولها ، أهلكوا بالرجفة لم يبق من الكفار منهم ديار
وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ
أي في ملك جميع الأرض بطولها والعرض ، سلب اللّه منهم الملك بعد شديد الهلك
وَأَصْحابِ مَدْيَنَ
أي في جمع الأموال ومد الآمال إلى أخذها
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 746 وله قصة وأبو داود 1342 وابن ماجة 2333 والبيهقي في الدلائل 1 / 308 وأحمد 6 / 54 و 91 و 111 من حديث عائشة .