أن الثاني هو المراد لأنه أدل على الإيمان فقال :
سَيُؤْتِينَا اللَّهُ
أي الملك الأعظم بوعد لا خلف فيه واعتقدوا أن لا حق لأحد فقالوا :
مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ
أي الذي لا يخالف أمره ، على ما قدر لنا في الأزل ؛ ثم عللوا ذلك بقولهم :
إِنَّا إِلَى اللَّهِ
أي المستجمع لصفات الكمال وحده
راغِبُونَ *
أي عريقون في الرغبة ، فلذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائنا ما كان ، أي لكان ذلك خيرا لهم لأنه لا ينالهم إلا ما قسم سبحانه لهم شاؤوا أو أبوا .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 60 إلى 62 ]
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 61 ) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ( 62 )
و
لما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشادا لهم إلى النجاة ، علل فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها وبين أنه لا يفعل غيره لأنه الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو تركوا زهدوا أو رغبوا فقال معبرا بأداة القصر على ما ذكر :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ
أي هذا الجنس بجميع ما صدق من أفراده ، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم ، فلذا قال الشافعي : إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به ، فقال :
لِلْفُقَراءِ
أي الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعا من كفايتهم
وَالْمَساكِينِ
أي الذين لا كفاية لهم بدليل
أَمَّا السَّفِينَةُ
[ الكهف : 79 ] وأما
مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
[ البلد : 16 ] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه
وَالْعامِلِينَ عَلَيْها
أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
أي ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد رضي اللّه عنه قال : « بعث إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشيء فقسمه بين أربعة وقال : أتألفهم ، فقال رجل : ما عدلت ! فقال : يخرج من ضئضىء هذا قوم يمرقون من الدين . وفي رواية : فاستأذنه رجل في ضرب عنقه فقال :
لا ، دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم « 1 » - الحديث . ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد . » ولا يقال : إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 6163 ومسلم 1064 وابن حبان 6741 وعبد الرزاق 18649 وأحمد 3 / 60 من حديث أبي سعيد الخدري .