إلى ما أفعل ، يعرف ذلك من كان متضلعا بالسير وقصص بني إسرائيل على ما ذكرتها في الأعراف عن التوراة ، مستحضرا لأن الصديق رضي اللّه عنه كان في صعودهما إلى الغار يذكر الرصد فيتقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليفتديه بنفسه ثم يذكر الطلب فيتأخر ثم يذكر ما عن اليمين والشمال فينتقل إليهما ، ويقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن قتلت أنا فأنا رجل واحد ، وإن قتلت أنت هلكت الأمة ، وأنه كان عارفا بأن اللّه تعالى تكفل بإظهار الدين على يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المتضمن لحراسة نفسه الشريفة قبل ذلك ، ولذلك كان به في هذا اليوم من القلق ما ذكر ، وكان عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أثبت الناس ، ولذلك أتى بالفاء المعقبة في قوله :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ
أي الملك الأعظم
سَكِينَتَهُ
أي السكون المبالغ فيه المؤثر للنسك
عَلَيْهِ
أي الصديق - كما قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما - لأن السكينة لم تفارق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم عطف على نصره اللّه قوله :
وَأَيَّدَهُ
أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واختلاف الضمائر هنا لا يضر لأنه غير مشتبه
بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها
أي من الملائكة الكرام
وَجَعَلَ كَلِمَةَ
أي دعوة
الَّذِينَ كَفَرُوا
أي أوقعوا الكفر من آمن منهم بعد ذلك وغيره
السُّفْلى
فخيّب سعيهم ورد كيدهم ، ثم ابتدأ الإخبار بما له سبحانه على الدوام من غير انقطاع أصلا في وقت من الأوقات فقال :
وَكَلِمَةُ اللَّهِ
أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ، ونصبها يعقوب عطفا على ما سبق
هِيَ الْعُلْيا
أي وحدها ، لا يكون إلا ما يشاءه دائما أبدا ، فاللّه قادر على ذلك
وَاللَّهُ
أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما
عَزِيزٌ
أي مطلقا يغلب كل شيء من ذلك وغيره
حَكِيمٌ *
لا يمكن أن ينقض شيء من مراده لما ينصب من الأسباب التي لا مطمع لأحد في مقاومتها فلا محيص عن نفوذها .
ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبالغا هيأها به للقبول ، أقبل عليها سبحانه بالأمر فقال :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
والمراد بالخفة كل ما يكون سببا لسهولة الجهاد والنشاط إليه ، وبالثقل كل ما يحمل على الإبطاء عنه ؛ وقال أبو حيان : والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن يمكنه بصعوبة ، وأما من لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا - انتهى . قال البغوي : قال الزهري : خرج سعيد بن المسيب رحمه اللّه إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل صاحب ضرر فقال : استنفر اللّه الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ؛ وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي اللّه عنهما قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : لا أرى ربي يستنفرني شابا وشيخا ! جهزوني ، فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فما تغير ،
وَجاهِدُوا
أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار .