وَهاجَرُوا
أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك ، وهم المهاجرون الأولون ، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حبا للّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم
وَجاهَدُوا
أي واقعوا الجهاد ، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله .
ولما كانت الآيات المتقدمة في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده ، كان الأنسب تقديم قوله :
بِأَمْوالِهِمْ
أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها
وَأَنْفُسِهِمْ
بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم ؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس ، وكان في غاية العزة في أول الأمر ، وأخر قوله :
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي الملك الأعظم لذلك ، و « في » سببية أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير قاطع ، ولعله عبر ب « في » إعلاما بأنه ينبغي أن يكون متمكنا من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالبا عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه ، وأما في سورة براءة فلما كان السياق في بعض الأماكن بها للسبيل قدم - كما سيأتي ، وأيضا فإن هذه السورة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وكان الحال إذ ذاك شديدا جدا ، والأموال في غاية القلة ، والأعداء لا يحصون ، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيبا في بذلهما ، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع ، فكان المال قد اتسع ، والدين قد عز وضخم وقوي وعظم ، وأسلم غالب الناس ، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة ، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال ، فناسب البداءة هناك بالسبيل .
ولما ذكر أهل الهجرة الأولى ، أتبعهم أهل النصرة ، وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا على زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
وَالَّذِينَ آوَوْا
أي من هاجر إليهم من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه رضي اللّه عنهم فأسكنوهم في ديارهم ، وقسموا لهم من أموالهم ، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوجوهن ، وإنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا ، وكذا قوله :
وَنَصَرُوا
أي اللّه ورسوله والمؤمنين ، وهم الأنصار رضي اللّه عنهم ، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من كلتي الحسنيين ، ولولا إيواؤهم ونصرهم لما تم المقصود ، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زمانا طويلا وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر . وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال :
أُولئِكَ
أي العالو الرتبة