من الكفار ، والآية من الوعد الصادق الذي حققه وقائع الصحابة رضي اللّه عنهم
وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
أي صابرة
يَغْلِبُوا أَلْفاً
أي كائنين
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
فالآية من الاحتباك : أثبت في الأول وصف الصبر دليلا على حذفه ثانيا ، وفي الثاني الكفر دليلا على حذفه أولا ؛ ولعل ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض ، أي حرضهم لأني أعنت كلا منهم على عشرة ، فلا عذر لهم في التواني ؛ وعلل علوهم عليهم وغلبتهم لهم على هذا الوجه بقوله :
بِأَنَّهُمْ
أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم ، أي الكفار
قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ *
أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم أبدان بغير معان ، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح ، لأنهم لم يبنوا مصادمتهم على تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر ، فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب ، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح ، وذلك الرئيس إن لم يكن أمره مستندا إلى ملك الملوك كان قلبه ضعيفا ، وعزمه - وإن كثرت جموعه - مضطربا ، فإنهم يكونون صورا لا معاني لها ، والصور منفعلة لا فعالة ، والمعاني هي الفعالة ، والمعتمد على اللّه صورته مقترنة بالمعنى ، فأقل ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما حط عليه الأمر في الجهاد ، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج - من أتباع شبيب وأنظاره على قلتهم - على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على كثرتها ، فإن الخوارج معتقدون أن قتالهم للّه مستندين في هذا الاعتقاد إلى ظلم أولئك الملوك وخروجهم عن أمر اللّه ، والذين يلقونهم عن أولئك الملوك وإن اعتقدوا أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام الواجب طاعته ، لكنهم يعلمون أن استناد إمامهم إلى اللّه ضعيف لمخالفته لمنهاج الاستقامة ، وذلك الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ولايته مفسدة ، وأن تحريم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقتاله إنما هو درء لأعظم المفسدتين ، فصار استناد الخوارج إلى ملك الملوك أعظم من استناد أولئك ، ولهذا نشأ عن استناد الخوارج الزهد الذي هو أعظم أسباب النصر ، ونشأ عن استناد أولئك الملوك الإخلاد إلى الدنيا الذي هو أعظم الموجبات للخذلان ، مصداق ذلك أنهم لما خرجوا على علي رضي اللّه عنه فسار فيهم بسنة اللّه من اللطف بهم وتقديم وعظهم والإعذار إليهم وردهم إلى اللّه فلما لم يقبلوا قصدهم في ساعة ، قال له بعض من كان يعتني بالنجوم : إنها ساعة نحس ، إن سار فيها حذل ، فقال : سيروا فيها فإنه ما كان للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم منجمون ، فلما لقي الخوارج لم يواقفوه حلب ناقة ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته إنسان ؛
وفهم الإيجاب في قوله تعالى
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ
- الآية وأن الخبر فيه بمعنى الأمر من قوله :
الْآنَ