تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
ذلك اللين عن دهش . ومنه أبطرت حلمه أي أدهشته عنه ، وذهب دمه بطرا أي باطلا للضعف عنه للحيرة في الأمر الموصل إليه ، وتارة يكون عن مجاوزة الحد في الصلابة ، ومنه بطر النعمة - إذا لم يشكرها فتجاوز الحد في المرح ، فإن فاعل ذلك يمكنه الحكيم من مقاتله فيأخذه وهو يرجع إلى عدم احتمال القوى للشكر ، ففاعل ذلك ضعيف وإن ظهر منه خلاف ذلك ما قال عمر رضي اللّه عنه : العدل وإن رئي لينا أكف عن الظلم من الجور وإن رئي شديدا - أو كما قال رضي اللّه عنه . وأقرب من ذلك أن تكون المادة دائرة على الخلطة الناقلة من حال إلى حال . ولما ذكر الحامل لهم على الخروج من أنفسهم ، ذكر ما أوجبه لهم من غيرها فقال :
وَرِئاءَ النَّاسِ
أي خرجوا يرون الناس خروجهم وما يتأثر عنه ليروهم ما يقولون فيه ، فإنهم لما قيل لهم ؛ قد نجى اللّه عيركم فارجعوا ، بطروا النعمة تبعا لأبي جهل حيث قال : واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا فنشرب الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان فتسمع بنا العرب فلا تزال تهابنا أبدا ! فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا الحمر ، وناحت عليهم نوائح الزمان مكان العزف والقيان . ولما ذكر نفس الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة الناشئة عن ذينك الخلقين ، وعبر عنهما بالاسم إشارة إلى الثبات كما هو شأن الأخلاق ، وعن الثمرة بالمضارع تنبيها على أنهم لا يزالون يجددونها فقال :
وَيَصُدُّونَ
أي يوجدون الصد وهو المنع لأنفسهم وغيرهم
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي الملك الأعظم في ذلك الوجه وهم عازمون على تجديد ذلك في كل وقت ، فلما كانت هذه مقاصدهم كان نسجهم هلهلا وبنيانهم واهيا ، فإنها من عمل الشيطان ، وكل عمل لا يكون للّه إذا صدم بما هو للّه اضمحل ، بذلك سبحانه أجرى سنته ولن تجد لسنته تحويلا ، فإن العاملين عبيد اللّه
وَاللَّهُ
أي فعلوا ذلك والحال أن المحيط بكل شيء الذي عادوا أولياءه
بِما
أو يكون ذلك معطوفا على ما تقديره : فأبطل اللّه بجلاله وعظمته أعمالهم وهو بكل ما
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ *
فهم في قبضته ، فأوردهم - إذ خرجوا يحادونه - بدرا فنحر مكان الجزور رقابهم وسقاهم مكان الخمور كؤوس المنايا ، وأصاح عليهم مكان القيان صوائح النوائح ، ولعله قدم الجار إشارة إلى أنه لشدة إحاطته بأعمالهم كأنه لا نظر له إلى غيرها فلا شاغل له عنها . ولما بين لهم فساد أعمالم لفساد نياتهم تنفيرا منها ، زاد في التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور فقال ؛
وَإِذْ
فعلم أن التقدير قطعا : اذكروا ذلك واذكروا إذ ، وزاد في التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما