تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 10 إلى 13 ]

وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 13 ) ولما كانت نصرة المسلمين في هذه الغزوة ظاهرة جدا ، قال :
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ
أي الإمداد والوعد به على ما له سبحانه من العظمة التي من راقبها لم يهب شيئا
إِلَّا بُشْرى
أي لتستبشر به نفوسكم ، ولم يحتج إلى تقييد بأن يقال : لكم ، وأما في قصة أحد فقد كان المقتول منهم أكثر من المقتول من الكفار فلولا قوله « لكم » لربما طرق بعض الأوهام حين سماع أول الكلام أن الإمداد بشرى للكفار . ولما كان الذي وقع الحكم به هنا على الإمداد أنه بشرى نفسه من غير قيد ، علم أن العناية به أشد ، فكان المحكوم به الطمأنينة كذلك ، فكان أصل الكلام : إلا بشرى هو وطمأنينة هو ، فلذلك وجب تقديم ضميره في قوله « به » على القلوب تأكيدا لأمره وتفخيما لشأنه ، وإشارة إلى إتمامه على عادة العرب في تقديم ما هم به أعنى وهو عندهم أهم فقال :
وَلِتَطْمَئِنَّ
أي وطمأنينة لتطمئن
بِهِ
أي وحده من غير نظر إلى شيء من قوتكم ولا غيرها
قُلُوبُكُمْ
فالآية من الاحتباك ، وأما في قصة أحد فلما قيدت البشرى بالإمداد بلكم لما تقدم ، علم أن الطمأنينة كذلك ، فكان الأنسب تأخير ضميره وتقديم القلوب الملابسة لضميرهم موازنة لقوله « لكم » . ولما كان ذلك مفهما أن النصر ليس إلا بيده وأن شيئا من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته ، صرح به في قوله :
وَمَا النَّصْرُ
أي حاصلا وموجودا بالملائكة وغيرهم من الأسباب
إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي لأن له وحده صفات الكمال ، فما عنده ليس منحصرا في الإمداد بالملائكة فالنصر وإن كان بها فليس من عندها ، فلا تعتمدوا على وجودها ولا تهنوا بفقدها اعتمادا عليه سبحانه خاصة ، فإن ما عنده من الأسباب لا يحيط به علما ، هذا إذا أراد النصر بالأسباب ، وإن أراد بغير ذلك فعل فكان التعبير بعند لإفهام ذلك . ولما كانت هذه الغزوة في أول الأمر ، وكانوا بعد بروز الوعد الصادق لهم بإحدى الطائفتين كارهين للقاء ذات الشوكة جدا ، ثم وقع لهم ما وقع من النصر ، كان المقام
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 191 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي