تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
من الدنيا إعراضا وزهادة ، وهو تذكير بوصف المتقين المذكور أول الكتاب بقوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 4 إلى 9 ]

أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) ولما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال ، فاستوفوا بذلك جميع شعب الدين ، عظم سبحانه شأنهم بقوله :
أُولئِكَ
أي العالو الهمم
هُمُ
أي خاصة
الْمُؤْمِنُونَ
وأكد مضمون الجملة بقوله :
حَقًّا .
ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية ، وكلما كان المؤثر أقوى كانت التأثيرات أعلى ، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك ، فلهذا قال سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال : فما جزاؤهم على ذلك ؟
لَهُمْ دَرَجاتٌ
ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان ، عظمها بقوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي بتسليمهم لأمره . ولما كان قدر اللّه عظيما ، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ضعيفا حقيرا ، وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب ، أشار سبحانه إلى أنه لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال :
وَمَغْفِرَةٌ
أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها ،
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ *
أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها ، فهو يغنيهم عن هذه الأنفال ، ويملأ أيديهم من الأموال من عنائم فارس والروم وغير ذلك ، هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف ؛ قال أبو حيان : لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل - وبدنية ومالية ، ترتب عليها ثلاثة أشياء ، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران ، وقوبلت المالية بالرزق الكريم ، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع - انتهى . ولما كان الإيمان عند الشافعي رحمه اللّه الاعتقاد والإقرار والعمل جوز أن يقال : مؤمن إن شاء اللّه ، لأن استيفاء الأعمال مشكوك فيه وإن كان الاعتقاد والإقرار يقينا ، وعند أبي حنيفة رحمه اللّه الإيمان الاعتقاد والإقرار فقط ، فلم يجوز الاستثناء ، فالخلاف لفظي ، هذا إذا