تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الضمير للشيطان المراد به الجنس ، أي وإخوان الشياطين - وهم الجاهلون الذين لا يتقون - يمدهم أولياؤهم من الشياطين
فِي الغَيِّ
وهو ضد الرشاد ، وأشار إلى مزيد اعتنائهم بالإغواء ومثابرتهم على الإضلال والإغراء بأداة التراخي فقال :
ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ *
أي لا يتركون إغواءهم ولو لحظة لجهلهم وشرهم . ولما تقرر ما شرعه من التعفف وعدم التنطع والتكلف ، وكان قد أخبر أن من عمههم تكلفهم السؤال عن الساعة ، والشياطين لا يفترون عن إغوائهم ، أخبره عن مطلق تكلفهم تعجبا منهم وإشهادا لتماديهم مع إغواء شياطينهم ، وأمره صلّى اللّه عليه وسلّم بما يجيبهم به فقال عاطفا على
يَمُدُّونَهُمْ :
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ
أي على حسب اقتراحهم
قالُوا لَوْ لا
أي هلا
اجْتَبَيْتَها
والجبي : الجمع ، والإجباء تركه ، والاجتباء : الجد في الجمع ، ويلزم منه الاصطفاء والاختيار ، فمعنى اجتبيتها اجتلبتها ، أي تكلفت من عند نفسك الإتيان بها مختارة . ولما كان المقام داعيا إلى السؤال في تعليم الجواب ، أسعف ذلك بقوله :
قُلْ
أي إذا قالوا ذلك
إِنَّما أَتَّبِعُ
أي أتعمد وأتكلف اتباع
ما يُوحى إِلَيَّ
أي يأتيني به الملك
مِنْ رَبِّي
أي المحسن إليّ بتعليمي ما ينفعني ، لا أني آتي بشيء من عند نفسي ولا أقترح على ربي . ولما حصر حاله في اتباع الوحي كان كأنه قيل : ما هذا الذي يوحى إليك ؟ فقال - ويجوز أن يكون تعليلا لاتباعه لأنه كاف في إثبات نبوته مغن عن الآيات المقترحة قاهر في وجوب اتباعه - :
هذا
مشيرا إلى ما يوحى إليه تنبيها على أنه يجب أن يكون مستحضرا في سائر الأذهان ، حاضرا بين عيني كل إنسان
بَصائِرُ
أي أشياء هي - على حسب ما طلبتم - مجتباة ، بل هي خيار الخيار ، يكون بها نور القلب فيصير للعيون أيضا بصر يقربه مما يحث الكتاب على نظره من الآيات المرئيات إلى علوم لم تكن لها قبل ذلك ، وهي حجج بينة قاهرة على تصديقي وقبول كل ما جئت به ، وسماه بذلك لأنه سبب لبصر العقول بدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وجميع الشريعة أصولا وفروعا ، فهو تسمية للسبب باسم المسبب ، وعليّ مدحها بقوله :
مِنْ رَبِّكُمْ
أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم أصلا ، فهو جدير بأن يتلقى ما أتى منه بكل جميل . ولما كانت البصائر جمعا ، وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون متفاوتة ، أكدها بما يشير إلى أنها خارقة للعادة في أنها على حد سواء في أعلى طبقات الهداية فقال :
وَهُدىً
أي بيان ؛ ولما كان البيان قد لا يكون على وجه الإكرام ، قال :
وَرَحْمَةٌ
أي إكرام .