تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 751

مساهمون:

ص٧٥١
الذي لا أمر لأحد معه غيره ، فمن شاء هداه ومن شاء أعماه ، ومن شاء أهلكه ومن شاء أبقاه لأن له كمال العظمة . ولما كان الحشر متراخيا عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان ، لا تبلغ كنه عظمته العقول ، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه بقوله :
ثُمَّ
بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال
يُنَبِّئُهُمْ
أي تنبئه عظيمة جليلة مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين
بِما كانُوا
أي جبلة وطبعا
يَفْعَلُونَ *
أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان لهم إليها أتم داعية غير متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها ، والآية - مع ما تقدم من مقتضياتها - تعليل لقوله
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 160 إلى 162 ]

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه ، كان كأنه قيل : فما ذا يفعل بهم حينئذ ؟ فأجيب بقوله :
مَنْ جاءَ
أي منهم أو من غيرهم
بِالْحَسَنَةِ
أي الكاملة بكونها على أساس الإيمان
فَلَهُ
من الحسنات
عَشْرُ أَمْثالِها
كرما وإحسانا وجودا وامتنانا ، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة ، وهذا المحقق لكل أحد ويزداد البعض وضوحا بحسب النيات ، وذكر العشر ، لأنه بمعنى الحسنة ، وهو مضاف إلى ضميرها . ولما تضمن قوله
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
[ الأنعام : 153 ] مع تعقيبه بقوله
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ الأنعام : 152 ] الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق الخلق ، أخبر أن ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ
أي أيّ شيء كان من هذا الجنس
فَلا يُجْزى
أي في الدارين
إِلَّا مِثْلَها
إذا جوزي ، ويعفو عن كثير . ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها من كل وجه وإن كانت ظاهرة في ذلك ولا سيما في هذه العبارة ، صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب للنفس وأسكن للروع فقال :
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ *
أي بكونها مثلها في الوحدة وإن كانت أكبر أو من جنس أشد من جنسها ونحو ذلك ، بل المماثلة موجودة في الكم والكيف ، فلا ينقص أحد في ثواب ولا يزاد في عقاب .