من لا يملكها ، ولذلك فرضت التسمية في التذكية ونفلت فيما سوى ذلك ، فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه ، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه ويضيعون حدوده ، الذين قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كثر هؤلاء من القراء ، لا كثّرهم اللّه ! » « 1 » ومن لم تصح له قراءة هذا الحرف لم تصح له قراءة حرف سواه ولا تصح له عبادة ، وهو الذي لا يزيده صلاته من اللّه إلا بعدا ، ولا يقبل منه دعاؤه « الرجل يطلب اللّه مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ، يقول :
يا رب ! يا رب ! فأنى يستجاب لذلك ! » « 2 » فهذه قراءة هذا الحرف وشرطه - واللّه ولي التوفيق .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 146 إلى 148 ]
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ( 148 )
ولما كان قوله
طاعِمٍ
نكرة في سياق النفي ، يعم كل طاعم من أهل شرعنا وغيرهم ، وكان سبحانه قد حرم على اليهود أشياء غير ما تقدم ، اقتضت إحاطة العلم أن قال مبينا لإحاطة علمه وتكذيبا لليهود في قولهم : لم يحرم اللّه علينا شيئا ، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا
أي اليهود
حَرَّمْنا
بما لنا من العظمة التي لا تدافع
كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
أي على ما هو كالإصبع للآدمي من الإبل والسباع والطيور التي تتقوى بأظفارها
وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
أي التي هي ذوات الأظلاف
حَرَّمْنا
أي بما لنا من العظمة
عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما
أي الصنفين ؛ ثم استثنى فقال :
إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما
أي من الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما
هامش
( 1 ) كرره المصنف مرارا ، ولم أعثر عليه بعد .
( 2 ) صحيح . هو عجز حديث أخرجه مسلم 1015 وأحمد 2 / 328 من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيها الناس ! إن اللّه طيب ، لا يقبل إلا طيبا ، وإن اللّه أمر المؤمنين ، بما أمر به المرسلين ، فقال :يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ[ المؤمنون : 51 ] وقال :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ[ البقرة : 172 ] ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء ، يا رب يا رب ! ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك »