تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 694

مساهمون:

ص٦٩٤
يَدْعُونَ
أي دعاء عبادة من الأصنام أو غيرهم بذكر ما فيهم من النقص ، ثم بين دفعا لتوهم إكرامهم أنهم في سفول بقوله :
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له عدلا ، بعلم منكم بما لهم من المعايب ، بل أعرضوا عن غير دعائهم إلى اللّه حتى عن سب آلهتهم بما تستحقه ، فإنا زينا لهم أعمالهم فغرقوا مع غزارة عقولهم فيما لا يرتضيه عاقل ، وكذبوا بجميع الآيات الموجبة للإيمان ، فربما جرهم سبّكم لها - لما عندهم من حمية الجاهلية - إلى ما لا يليق
فَيَسُبُّوا
أي فيتسبب عن ذلك أن يسبوا
اللَّهِ
أي الذي تدعونه وله الإحاطة بصفات الكمال ، وأظهر تصريحا بالمقصود وإعظاما لهذا الأمر وتهويلا له وتنفيرا منه . ولما كان الخنو يوجب الإسراع ، أشار إليه سبحانه بقوله :
عَدْواً
أي جريا إلى السب ؛ ولما كان العدو قد يكون مع علم ، قال مبينا لأنه يراد به مع الإسراع أنه مجاوز للحد :
بِغَيْرِ عِلْمٍ
لأنا زينا لهم عملهم ، فالطاعة إذا استلزمت وجود منكر عظيم احترز منه ولو أدى الحال إلى تركها وقتا ما ، لتحصل القوة على دفع ذلك المنكر ، فحكم الآية باق وليس بمنسوخ . ولما كان ذلك شديدا على النفس ضائقا به الصدر ، اقتضى الحال أن يقال : هل هذا التزيين مختص بهؤلاء المجرمين أم كان لغيرهم من الأمم مثله ؟ فقيل :
كَذلِكَ
أي بل كان لغيرهم ، فإنا مثل ذلك التزيين الذي زينا لهؤلاء
زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ
أي طائفة عظيمة مقصودة
عَمَلَهُمْ
أي القبيح الذي أقدموا عليه بغير علم بما خلقه في قلوبهم من المحبة له ، ردا منا لهم بعد العقل الرصين أسفل سافلين ، حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن لتبين قدرتنا ؛ فكان في ذلك أعظم تسلية وتأسية وتعزية ، والآية من الاحتباك : إثبات
بِغَيْرِ عِلْمٍ
أولا دال على حذفه ثانيا ، وإثبات التزيين ثانيا دليل على حذفه أولا . ولما كان سبحانه طويل الأناة عظيم الحلم ، وكان الإمهال ربما كان من جهل بعمل العاصي ، نفى ذلك بقوله
ثُمَّ
أي بعد طول الإمهال
إِلى رَبِّهِمْ
أي المحسن إليهم بالحلم عنهم وهم يتقوون بنعمه على معاصيه ، لا إلى غيره
مَرْجِعُهُمْ
أي بالحشر الأعظم
فَيُنَبِّئُهُمْ
أي يخبرهم إخبارا عظيما بليغا
بِما
أي بجميع ما
كانُوا يَعْمَلُونَ *
أي على سبيل التجدد والاستمرار بما في جبلاتهم من الداعية إليه وإن ادعوا أنهم عاملون على مقتضى العلم .