ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحا وتارة بإسقاط الكاف ؛ كان ربما وقع في وهم السؤال عن حالة الجهر ، أتبع ذلك ذكره مفصلا لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ
ولما كان المعنى : أخبروني ، وكان كأنه قيل : عما ذا ؟ قيل :
إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ
أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء
بَغْتَةً
أي بحيث لا يرى إلا ملتبسا بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من أماراته ،
أَوْ جَهْرَةً
أي بحيث ترونه مقبلا إليكم مقدما عليكم
هَلْ .
ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل ، بني للمفعول قوله :
يُهْلَكُ
أي في واحدة من الحالتين هلاكا هو الهلاك ، وهو هلاك السخط
إِلَّا الْقَوْمُ
أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في زعمكم والمقاومة
الظَّالِمُونَ *
أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء الشيء لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له ، وأما المصلح فإنه ناج إما في الدارين وإما في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى عليه ؛ وذكر أبو حيان أنه لما كان مطلق العذاب صالحا لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا يعلم ، كان التوعد به أهول ، فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف الخطاب ، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ذلك المطلق فأعري من حرف الخطاب .
ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل ، وأعرض عما أرسلهم به ربهم من الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر ، وطلبه منهم ما لا يقدر عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من الآيات ؛ بين لهم حقيقة الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا يطلب إلا من الإله ، فقال عاطفا على
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
[ الأنعام : 42 ]
وَما نُرْسِلُ
أي بما لنا من العظمة
الْمُرْسَلِينَ
أي نوجد هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من الماضي وغيره
إِلَّا مُبَشِّرِينَ
لمن أطاع
وَمُنْذِرِينَ
لمن عصى ، عريقين في كل من الوصفين ، لا مجيبين إلى ما يقترح الأمم ، ولا معذبين لمن يعاندهم ؛ ثم سبب عن ذلك غاية الرسالة من النفع والضر فقال :
فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ
أي تصديقا لإيمانه
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
أي في الدنيا ولا في الآخرة ، أما في الآخرة فواضح ، وأما في الدنيا الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية ، فهو إلى فناء ثم إلى سرور دائم ، فهو عدم
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *
أي حزنا يضر بحياتهم الأبدية .
ولما بين حال المصلحين ، أتبعه حال المفسدين فقال :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي على ما لها بنسبتها إلينا من العظمة
يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ
أي الدائم المتجدد ، وكني عن