تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي ، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم ، فقال تعالى دالا على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
أي من أيّ قائل كان ولو أنه ربهم ، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه كلامه
تَعالَوْا
أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل
إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ
أي الذي لا أعظم منه ، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه
وَإِلَى الرَّسُولِ
أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه
قالُوا حَسْبُنا
أي يكفينا
ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا .
ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم ، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء ، قال منكرا عليهم موبخا لهم :
أَ وَلَوْ
أي يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو
كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً
أي من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن اللّه بطريق من الطرق الواصلة إليه ، ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلا للاقتداء به ، وقد لا يشعر لكونه جهله مركبا فلا يجوز الاقتداء به ، بين أنهم من أهل هذا القسم فقال :
وَلا يَهْتَدُونَ *
أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب ، لأن من لا يعلم لا صواب له ، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم ، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة ، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار ، فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر ، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر ، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً
إلى قوله :
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ
[ النساء : 117 ، 118 ] فالتفت حينئذ إلى قوله :
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
أيّ التفات . ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيها لآبائهم ، فيعود ضررا عليهم يسبّون به على زعمهم ، أعلم اللّه المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول الهدى لا تضرهم أصلا ، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي عاهدوا ربهم ورسوله على الإيمان
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
أي الزموا هدايتها وإصلاحها ؛ ولما كان كأنه قيل : إنا ننسب بآبائنا ، وننسب إليهم ، فربما ضرتنا نسبتنا إليهم عند اللّه كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فقال : لا ، إنك مؤمن وهو كافر - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال :
لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ
أي من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه