النقوض
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
[ المائدة : 18 ] فصار من قتل نفسا واحدة بغير ما ذكر فكأنما حمل إثم من قتل الناس جميعا ، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره ، ومن سن سنة كان كفاعلها
وَمَنْ أَحْياها
أي بسبب من الأسباب كعفو ، أو إنقاذ من هلكة كغرق ، أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلما
فَكَأَنَّما أَحْيَا
أي بذلك الفعل الذي كان سببا للإحياء
النَّاسَ جَمِيعاً
أي بمثل ما تقدم في القتل ، والآية دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة ، لما يعلم من طباعهم التي خلقهم عليها ومن عواقب الأمور - لا على أنه يجب عليه - رعاية المصلحة ، ومما يحسن إيراده ههنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه اللّه تعالى :
الناس من جهة التمثال أكفاء * أبوهم آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة * وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهم في أصلهم حسب * يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه * وللرجال على الأفعال أسماء
وضد كل امرئ ما كان يجهله * والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حيا به أبدا * فالناس موتى وأهل العلم أحياء
ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك ، أتبعه حالا منهم دالة على أنهم بعيدون من أن يكونوا أبناء وأحباء فقال :
وَلَقَدْ
أي والحال أنهم قد
جاءَتْهُمْ رُسُلُنا
أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا عنا ، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلّهم وأجمعهم للكمالات وأرفعهم عن النقائص ، لأن كل رسول دال على مرسله
بِالْبَيِّناتِ
أي الآيات الواضحة للعقل أنها من عندنا ، آمرة لهم بكل خير ، زاجرة عن كل ضير ، لم نقتصر في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة .
ولما كان وقوع الإسراف - وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ذلك - بعيدا ، عبر بأداة التراخي مؤكدا بأنواع التأكيد فقال :
ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ
أي بني إسرائيل ، وبيّن شدة عتوّهم بإصرارهم خلفا بعد سلف فلم يثبت الجار فقال :
بَعْدَ ذلِكَ
أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب
فِي الْأَرْضِ
أي التي هي مع كونها فراشا لهم - ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه - شاغلة - لما فيها من عظائم الكدورات وترادف القاذورات - عن الكفاف فضلا عن الإسراف
لَمُسْرِفُونَ *
أي عريقون في الإسراف بالقتل وغيره .