[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 117 إلى 120 ]
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 120 )
ولما كان المنافقون هم المقصودين بالذات بهذه الآيات ، وكان أكثرهم أهل أوثان ؛ ناسب كل المناسبة قوله معللا لأن الشرك ضلال :
إِنْ
أي ما
يَدْعُونَ
وما أنسب التعبير لعباد الأوثان عن العبادة بالدعاء إشارة إلى أن كل معبود لا يدعي في الضرورات فيسمع ، فعابده أجهل الجهلة . ولما كان كل شيء دونه سبحانه وتعالى ، لأنه تحت قهره ؛ قال محتقرا لما عبدوه :
مِنْ دُونِهِ
أي وهو الرحمن .
ولما كانت معبوداتهم أوثانا متكثرة ، وكل كثرة تلزمها الفرقة والحاجة والضعف مع أنهم كانوا يسمون بعضها بأسماء الإناث من اللات والعزى ، ويقولون في الكل : إنها بنات اللّه ، ويقولون عن كل صنم : أنثى بني فلان ؛ قال :
إِلَّا إِناثاً
أي فجعلوا أنفسهم للإناث عبادا وهم يأنفون من أن يكون لهم أولادا ، وفي التفسير من البخاري : إناثا يعني الموات حجرا أو مدرا - أو ما أشبه ذلك ؛ هذا مع أن مادة « أنث » و « وثن » يلزمها في نفسها الكثرة والرخاوة والفرقة ، وكل ذلك في غاية البعد عن رتبة الإلهية ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى بسط ذلك في سورة العنكبوت وأن هذا القصر قلب قصر لاعتقادهم أنها آلهة ، ومعنى الحصر : ما هي إلا غير آلهة لما لها من النقص
وَإِنْ يَدْعُونَ
أي يعبدون في الحقيقة
إِلَّا شَيْطاناً
أي لأنه هو الآمر لهم بذلك ، المزين لهم
مَرِيداً
أي عاتيا صلبا عاصيا ملازما للعصيان ، مجردا من كل خير ، محترقا بأفعال الشر ، بعيدا من كل أمن ، من : شاط وشطن ؛ ومرد - بفتح عينه وضمها ، وعبر بصيغة فعيل التي هي للمبالغة في سياق ذمهم تنبيها على أنهم تعبدوا لما لا إلباس في شرارته ، لأنه شر كله ، بخلاف ما في سورة الصافات ، فإن سياقه يقتضي عدم المبالغة - كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ؛ ثم بين ذلك بقوله :
لَعَنَهُ اللَّهُ
أي أبعده الملك الأعلى من كل خير فبعد فاحترق .
ولما كان التقدير : فقال إصرارا على العداوة بالحسد : وعزتك لأجتهدن في إبعاد غيري كما أبعدتني ! عطف عليه قوله :
وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ
أي واللّه لأجتهدن في أن آخذ
مِنْ عِبادِكَ
الذين هم تحت قهرك ، ولا يخرجون عن مرادك
نَصِيباً مَفْرُوضاً *
أي جزءا أنت قدرته لي
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من الوساوس