تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
ولما كان المغيّي على النهي عن قتالهم حينئذ ، صرح به في قوله :
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ
أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين ، فكفوا عنكم
فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ
منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم
وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
أي الانقياد
فَما جَعَلَ اللَّهُ
أي الذي لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات
لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا *
أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم . و لما كان كأنه قيل : هل بقي من أقسام المنافقين شيء ؟ قيل : نعم !
سَتَجِدُونَ
أي عن قرب بوعد لا شك فيه
آخَرِينَ
أي من المنافقين
يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ
أي فلا يحصل لكم منهم ضرر
وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ
كذلك ، لضعفهم عن كل منكم . فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم ، ولهم الكفر إذا لقوهم ، وهو معنى
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
أي الابتلاء بالخوف عند المخالطة
أُرْكِسُوا
أي قلبوا منكوسين
فِيها .
ولما كان هؤلاء أعرق في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى ، صرح بمفهوم ما صرح به في أولئك ، لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ ، وطوى ما صرح به ، ثم قال :
فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ
ولما كان الاعتزال خضوعا لا كبرا ، صرح به في قوله :
وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
أي الانقياد . ولما كان الإلقاء لا بد له من قرائن يعرف بها قال :
وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ
أي عن قتالكم وأذاكم
فَخُذُوهُمْ
أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه
وَاقْتُلُوهُمْ .
ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة ، وأخلاقهم في نهاية الدناءة ، أشار إلى الوعد بتيسير التمكين منهم فقال :
حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
فإن معناه : صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم ، حاذقون في قتالهم ، فطنون به ، خفيفون فيه ، فإن الثقف : الحاذق الخفيف الفطن ، ولذلك أشار إليهم بأداة البعد فقال :
وَأُولئِكُمْ
أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل خير
جَعَلْنا
أي بعظمتنا
لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً
أي تسلطا
مُبِيناً *
أي ظاهرا قوته وتسلطه . وهذه الآيات منسوخة بآية براءة ، فإنها متأخرة النزول فإنها بعد تبوك . ولما بين أقسامهم بيانا ظهر منه أن أحوالهم ملبسة ، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف أحوالهم ، وختم بالتسلط عليهم ، وكان ربما قتل من لا يستحق القتل بسبب الإلباس ؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم ، مخرجا له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ
أي يحرم عليه
أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً
أي في حال من الحالات
إِلَّا خَطَأً
أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد القتل ، أو لا يقصد الشخص ، أو يقصده بما لا يقصد به زهوق