ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك ، فاستحقوا الإنكار قال منكرا عليهم :
فَما
وحقرهم بقوله :
لِهؤُلاءِ
وكأنه قال :
الْقَوْمِ
الذي هو دال على القيام والكفاية ، إما تهكما بهم ، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ
لا يقربون من أن يفهموا
حَدِيثاً *
أي يلقي إليهم أصلا فهما جيدا .
ولما أجابهم بما هو الحق إيجادا علمهم ما هو الأدب لملاحظة السبب فقال مستأنفا :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
أي نعمة دنيوية أو أخروية
فَمِنَ اللَّهِ
أي إيجادا وفضلا ، والإيمان أحسن الحسنات ، قال الإمام : إنهم يقولون : إنهم اتفقوا على أن قوله
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
[ فصلت : 33 ] المراد به كلمة الشهادة
وَما أَصابَكَ
وأنت خير الخلق
مِنْ سَيِّئَةٍ
أي بلاء
فَمِنْ نَفْسِكَ
أي بسببها فغيرك بطريق الأولى .
ولما اقتضى قولهم إنكار رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم إلا إن فعل كل خارقة ، وأخبر سبحانه وتعالى بأنه مستو مع الخلق في القدرة قال سبحانه وتعالى مخبرا بما اختصه به عنهم :
وَأَرْسَلْناكَ
أي مختصين لك بعظمتنا
لِلنَّاسِ
أي كافة
رَسُولًا
أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه ، وقد اجتهدت في البلاغ والنصيحة ، ولم نجعلك إلها تأتي بما يطلب منك من خير وشر ، فإن أنكروا رسالتك فاللّه يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات
وَكَفى بِاللَّهِ
المحيط علما وقدرة
شَهِيداً *
لك بالرسالة والبلاغ . ولما نفى عللهم في التخلف عن طاعته إلى أن ختم بالشهادة برسالته ؛ قال مرغبا مرهبا على وجه عام يسكن قلبه ، ويخفف من دوام عصيانهم له ، دالا على عصمته في جميع حركاته وسكناته :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ
أي كما هو مقتضى حاله
فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
الملك الأعظم الذي لا كفوء له ، لأنه داع إليه ، وهو لا ينطق عن الهوى ، إنما يخبر بما يوحيه إليه
وَمَنْ تَوَلَّى
أي عن طاعته .
ولما كان التقدير : فإنما عصى اللّه . واللّه سبحانه وتعالى عالم به وقادر عليه ، فلو أراد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه ، فاتركه وذاك ! عبر عن ذلك كله بقوله :
فَما أَرْسَلْناكَ
أي بعظمتنا
عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
إنما أرسلناك داعيا .
ولما كان من شأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله ، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك ، لكونه لا يحيط بذلك علما وإن اجتهد ؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكيا لبعض أقوالهم مبينا لنفاقهم فيه وخداعهم
وَيَقُولُونَ
أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك
طاعَةٌ
أي كل طاعة منا لك دائما ، نحن ثابتون على ذلك ، والتنكير للتعظيم بالتعميم
فَإِذا بَرَزُوا